النرجسية ووهم الاضطهاد مرض جنون العظمة.

جنون العظمة: النرجسية والإسقاط ووهم الاضطهاد

يمثل “جنون العظمة” (Paranoia) في التحليل النفسي اضطرابا ذهانيا، يتسم بتشكل منظومة متماسكة من الأوهام يسيطر عليها طابع الاضطهاد والمراقبة المستمرة. يعيش المصاب في حالة استنفار دائم، معتقدا أن هناك قوى خفية أو أشخاصا محيطين به يتآمرون ضده، يترصدون حركاته، ويسعون لإلحاق الأذى به. يترافق هذا الوهم الاضطهادي غالبا مع تضخم في الأنا، حيث يتصور المريض نفسه شخصية بالغة الأهمية تستدعي كل هذا العداء والاهتمام من العالم الخارجي.

يفسر فرويد هذه الظاهرة من خلال تتبع مسار “الليبيدو” (الطاقة النفسية). يسحب المريض بجنون العظمة، وفق هذا التفسير، طاقته الليبيدية بالكامل من موضوعات العالم الخارجي ومن الأشخاص المحيطين به، ويردها بشكل مطلق إلى ذاته (الأنا). يؤدي هذا الانكفاء إلى حالة من “النرجسية الثانوية”، حيث يصبح الفرد هو الموضوع الوحيد لاهتمامه وحبه، وتفقد الأشياء الخارجية قيمتها الواقعية والعاطفية.

تعتمد الدينامية النفسية لجنون العظمة أساسا على آلية “الإسقاط” (Projection). يعاني المريض في أعماقه، كما يوضح فرويد، من رغبات مكبوتة ومشاعر عدائية أو عاطفية لا يمكنه تحمل الاعتراف بها. وللتخلص من هذا الصراع الداخلي، تقوم الأنا بعكس هذه المشاعر وإسقاطها على العالم الخارجي، فالمريض الذي يكنّ عداء دفينا للآخرين، أو يشعر بنقص حاد، ينقلب شعوره اللاشعوري من “أنا أكرههم” إلى وهم واعٍ ومستقر يقول “هم يكرهونني ويتآمرون عليّ”.

تتجسد هذه الآلية في حالة موظف يعاني من تراجع في أدائه ويشعر سرا بعدم الكفاءة. بدلا من مواجهة إخفاقه الذاتي، يبدأ في نسج شبكة من الأوهام حول زملائه في العمل، معتقدا أنهم يزرعون أجهزة تنصت في مكتبه ويتعمدون إخفاء الملفات عنه لإفشاله. تحمي الأنا هنا نفسها من الانهيار الداخلي عبر خلق عدو خارجي وهمي يفسر كل الإخفاقات والتوترات.

يطرح فرويد رؤية لافتة حول وظيفة الأوهام في هذا المرض. يعتبر أن الهذيان والوهم الاضطهادي يمثلان في حقيقتهما محاولة من العقل للتعافي وإعادة البناء. فحين يسحب المريض طاقته من العالم، يشعر بانهيار داخلي، ويأتي الوهم محاولة لربطه بالعالم مجددا، حتى لو كان هذا الربط مشوها وقائما على العداء والمؤامرة.

​[Sigmund Freud, On Narcissism: An Introduction, Vol. XIV, Trans. James Strachey, The Hogarth Press and the Institute of Psycho-Analysis, 2001]

​[Sigmund Freud, The Loss of Reality in Neurosis and Psychosis, Vol. XIX, Trans. James Strachey, The Hogarth Press and the Institute of Psycho-Analysis, 2001]

#جنون_العظمة #الذهان #الإسقاط_النفسي#سالم يفوت#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم