الموسيقى والغناء بوصفهِما “دواءً لكلِّ داء”الغائب العائد
محمد جميل خضر
بما يُغني عن مئات الأبحاث والدراسات حول الموسيقى بوصفها ملاذًا، والغناء بوصفه دواءً، تتجلى مسيرة الفنان اللبناني فضل شاكر الإشكاليّ في حقيقة جنسيّته وفي جوهر مواقفه واصْطفافاته، بوصفها تمثلًا ميدانيًا تطبيقيًا لهاتيْن الحقيقتيْن. فالغناء وما يرافقه من موسيقى شكّلا في مراحله العُمرية المبكرة بابَ خلاصٍ من شقاء ذاقه عن آخره طفلًا، وأفقَ تحرّرٍ من يتمٍ خلّبيٍّ كاذبٍ عندما أرسله والده وهو على قيد الحياة، وبضغطٍ مثابرٍ من زوجته (والدة فضل!)، إلى دار أيتام! وشكّلا (الموسيقى والغناء) في عمر المراهقة والشباب فرصة رزق وفير؛ بدايةً من أجور الغناء في حفلات الزفاف والمناسبات الاجتماعية المختلفة داخل مخيم عين الحلوة وخارجه، ولاحقًا من تسجيل أولى أغنياته، وصولًا إلى مقدمات المجد والشهرة وهو ما يزال في ميعان الشباب نهاية ثمانينيات القرن الماضي ومطلع تسعينياته. المفارقة الكبرى أن الحصة الأكبر من عوائد حفلاته وما بدأ يجنيه من شجنِ صوته العذب النديّ الوديع، كان يعطيها بحبٍ وتسامحٍ لوالدته التي حرّضت والده بإصرارٍ قاسٍ عجيب على (مصيبة) تركه في مركز إيواء خاص بالأطفال الأيتام بذريعة عدم قدرة الأسرة على إطعام جميع أفرادها، وأنه سيحظى هناك بثلاث وجبات يوميًا، وببعض العناية والمعرفة والاهتمام! ليس ذلك فقط، بل تحمّل صغيرًا (كما يبوح بكل ما سلف بنفسه عن نفسه خلال حلقات المسلسل الدرامي الوثائقي “يا غايب” الذي أنتجته منصة شاهد)، معظم مسؤوليات البيت والشقيقات والأشقاء، خصوصًا بعد الرحيل المبكر لوالده (بحق وحقيق) هذه المرّة ليذوق اليتم خارج بيت الأيتام بعد أن ذاقه وهو غير يتيم داخل بيت الأيتام! فأي مفارقات تلك التي تركت كلَّ ندوبِها في مسيرة الفتى الذي أنصفته الأقدار عبر موسيقى صوته فقط، وبحّة أغانيه الطالعة من عين ماء لا تنفد عذوبة ألحانها. ندوب يظهر أثرها واضحًا وهو يسرد لكاميرا المسلسل البالغ عدد حلقاته تسع حلقات، وهو متوارٍ داخل بيت في مخيم لاجئين، بحزن عميق قصة إقامته في مركز خيري، وكيف أنه، حتى، لم يعد يستطيع التعبير عن حزنه لطفلٍ هناك يتيمٍ عن جد، بسبب أن الطفل واساه في أول مرّة شكا له فيها إحضار أبيه له إلى هناك، وترْكه يواجه صغيرًا كل هذه الأقدار العاصفة، قائلًا له إنه أفضل حالًا منه فوالده على قيد الحياة، أما هو (الطفل الآخر) فوالده غادر هذه الدنيا وتركه للميتم يتيمًا بلا ظهر ولا سند ولا آمال، أما فضل فإن باب الأمل يبقى مشرعًا، وتراجع الأب عن مسألة إيداعه مركز من لا آباء لهم ممكنٌ في كل وقت وأيّ حين. وهو ما حدث فعلًا بعد سنوات من إقامته هناك.فضل شاكر مع ممثلين في مسلسل “يا غايب”فنان الالْتباسات والتقلّبات…لم أُسق ما تقدم لأبرّر لفضل شاكر ما شهدته مسيرته من عواصف، وما تبنّاه خلالها من تقلّبات، بل لأن إشهار أي موقف حوله من دون وضع هذه المحددات القدرية كروافع لهذا الحكم، قد ينتج عنها حكم متعسّف، أو في أقل تقدير غير موضوعيّ ولا دقيق. والحال كذلك، فإن التباسات قصة فضل شاكر كثيرة، ليس أشرسها اليُتْم الخلّبي، ولا أكثرها تعقيدًا إقامته في مخيم لاجئين فلسطينيين وهو (كما يؤكد في كل مناسبة) من أصل لبناني، ولا أعصفها اصطفافاته حول ما جرى في سورية منذ عام 2011، حتى هروب بشار الأسد عام 2024، ولا أغربها تنقّلات موضوعات غنائهِ من الرومانسية (“نسيت أنساك” التي تشلع الروح مثلًا)، إلى النشيد (“ستسألون يا مسلمون” على سبيل المثال)، إلى الرومانسية مرّة ثانية وهو يطوي صفحات عقده السادس (فضل شاكر من مواليد عام 1969).”الغناء والموسيقى شكّلا في حياة فضل شاكر باب خلاص من يتم خلّبي عاشه طفلًا، حين أرسله والده إلى دار أيتام رغم أنه على قيد الحياة، ليصبح الفن لاحقًا منقذه من عواصف القدر”اللافت في كل هذه التقلّبات أنه في مرحلة النشيد (التي اعتراها بعض النشاز) نحّى الموسيقى جانبًا معتمدًا على صوته فقط، غير منتبهٍ (أو أنه لم يشأ تبنّي هذا الانتباه) أن كثيرًا من الفرق الموسيقية الدينيّة والصوفيّة وحتى الحركيّة الجهاديّة تعتمد على أشكالٍ مختلفةٍ من المُرافَقةِ الموسيقية. الْتباسات قادت إلى تقلّبات، أو أنها التقلبات التي أفْضت (وقد تفْضي دائمًا) إلى التباسات. أما الالْتباسية الكبرى التي لعبت الدور الأهم (وربما الحاسم) في مسيرة فضل شاكر فهي طبيعة علاقته بالشيخ (أو الداعية أو التكفيري بحسب زاوية النظر وجهةِ إطلاق الحكم) أحمد الأسير الحسيني؛ ففي حين يكاد يتنكّر له خلال مداخلاته في المسلسل الذي أنتج عنه، فإنه في مناسبات أخرى وُثِّقَ بعضُها بالصوت والصورة، يبدو كما لو أنه وزير إعلامه، أو ساند مشروعيته، فأي التقلّبين، أو الالتباسيْن، نتّبع ونصدّق ونبارك!؟ وفي تقلّباته جميعها، وفي مختلف ما وقع فيه من التباسات، حافظ فضل شاكر (برأيي الشخصي) على لمسةِ شجنٍ لا تريد أن يخبو بريقها، ولا أن تنطفئ شعلة منابعها؛ لمسةٌ طالعةٌ من حرارة الأزقّة الشعبية التي ترعرع داخل أوجاعها، وخبرَ بعمقِ الأسى أحلامَها، وصبوَاتها، ومصادرَ حيرتها، ومخاوفَ خذلانها. أحبّ فتاة ملتبسة (ناديا التي أصبحت لاحقًا زوجته أم محمد) تعشق الشجن والرّومانسية من جهتها، ويحمل أشقاؤها وأخوالُها عصا التكفير الغليظة من جهتهم. تجهّمهم جعل طلب يدها مغامرةً أقدم عليها الفنان الواعد بشجاعة تحسب له وهو ما يزال في أولى خطوات مسيرته الغنائية الموسيقية. على كل حال تتقدم ناديا عليه بحقيقةٍ لا لبس فيها أنها فلسطينيةٌ تملك منطقيةَ الإقامةِ في مخيم لاجئين! ثمة التباس تقنيٌّ بحتٌ يخصّ صوت شاكر الذي يختلف حول سماتهِ نقّادُ فرع الغناء من بين فروع الفنون الأدائية (بعيدًا عن الفروع الأمنية السورية الأسدية أجارَنا الربُّ منها)؛ فبين من يرى منهم أن صوته لا يحمل روافع الجمال التي لا بد منها لكي نقول هذا مغني، أو هذا مطرب، وأن ما حققه من نجاحات لها علاقة بكيف سخّر ملكات الرقّة والشجن في حبالهِ الصوتية، وبين من يرى غير ذلك منحازًا لعذوبة صوت الفتى، مستشهدًا أن جماليات صوته جينيةٌ أصيلةٌ مزروعةٌ داخل جَمهرة الصدر الحنون وجمرتهِ، ولو لم تكن كذلك لما أورث بعضها لنجله وكبير أولاده محمد.من تقلبات فضل شاكر والتباساته يا غايب…بشكلٍ لافتٍ مدهشٍ حقق فضل شاكر قفزات نوعية خلال مسيرته الفنية، جعلته في فترةٍ قياسيةٍ نجمَ طربٍ عربيٍّ من طرازٍ رفيع. نجاحاتٌ متلاحقةٌ جعلت شركة إنتاج فنيٍّ خليجية (يعرفها الجميع) تسارعُ لاحتكارِ منجزهِ والاستئْثارِ بزبدةِ مردودِ هذا المُنجز. في هذا السياق شكّلت أغنية “يا غايب” منعطفًا فاصلًا في مسيرة الفتى المحوّط بوسامةٍ لعل فيها بعض الالتباس لكن جاذبيتَها تتقدّم على غير ذلك. صحيحٌ أن التباس أصل لحن الأغنية قد يقال فيه ما يقال، لكن شاكر يؤكد أنه اشترى اللحن من صاحبه اليونانيّ؛ ألم يستفد محمد عبد الوهاب من ألحان أوروبية وغربية بالعموم، يظهر أثر موسيقى الجاز واضحًا في بعضها كجزءٍ من منجز الموسيقار اللواء؟ ألم يفعل الرحابنة ذلك، حيث لنا (كما تناهى لأسماعي ذات زمن بعيد) في “يا أنا يا أنا، أنا وياك… صرنا القصص الغريبي… وعرفوا إنك حبيبي” دليلٌ على محاكاةٍ رحبانيةٍ ناجحةٍ لمقطوعةٍ موزارتيّةٍ أخّاذة؟ “يا غايب” صارت عنوان نجاح، وصار السؤال الملحّ حوله: هل سيتسنّى للفنان الصاعد أن يراكم ما حققته من نجاح بنجاحٍ جديد؟ الإجابة عن هكذا سؤال، أو تشْكيك، جاءت عبر أغنياتٍ كثيرةٍ لاحقةٍ، منها على سبيل المثال لا الحصر: “نسيت أنساك”، “بعدا عالبال”، “أول ما بشوفك حبيبي”، “الله أعلم” التي حققت وقتها اكتساحًا كاد يبزّ كل ما سبقها من أغانيه، “عاش مين شافك”، “بياع القلوب” وأغنيات أخرى كثيرة له حققت في وقتها ومعطياتها انتشارها الخاص بها. نجاحات وعطاءات منحت فضل ألقابًا، وأحاطته بمعجبين ومعجبات من مختلف الأعمار والأذواق، بدأت بملازمتهِ لنصر عازف الأورغ في حفلات المخيم (لعلّه مكتشفه الأول ومحفّزه نحو الانطلاق)، ويبدو أنها لا تريد أن تنتهي إذ حققت أغنياته الجديدة ما بعد اعتزال الاعتزال مشاهدات بعشرات الملايين (“صحّاك الشوق” حققت، على سبيل المثال، 45 مليون مشاهدة بعد أسبوعين فقط من إطلاقها نهاية شهر آب/ أغسطس الماضي، “كيفَك ع فراقي” حققت 93 مليون مشاهدة بعد شهرين من إطلاقها في شهر تموز/ يوليو الماضي).الوعدُ أحمد…أعرف أن العبارة الشائعة هي “والعوْد أحمد” لكنني أرى في عودة فضل شاكر إلى ملاذهِ الموسيقي الغنائي ما يحمل سمات الوعد؛ فالفن، برأيي، في نهاية المطاف، وتحديدًا في تجلياته الأسمى والأبقى والأكثر انحيازًا للمعنى من دون إهمال المبنى، هو وعدٌ بحياةٍ مسكونةٍ بالشغف، هو ما أدرك (أبو محمد) بعد التيه في سراديب الاصطفافات، وبعد استفزاز مكوّنٍ لبنانيٍّ متسلّحٍ بعناوين يصعب القفز عنها، أو إدارة الظهر لها، أنه خلاصه المزرْكش بالأنغام، حيث الصوت لا يشيخ بل ينْصقل يومًا بعد يوم، وعامًا إثر عام.”من “يا غايب” إلى “نسيت أنساك”، صنع فضل شاكر أيقونة رومانسية عربية، قبل أن يعتزل الغناء ويدخل متاهة المواقف السياسية، ثم يعود متأخرًا إلى ملاذه الوحيد: الموسيقى التي وعدته بحياة مسكونة بالشغف”وحين لا بد من موقفٍ واضحٍ صادحٍ فلتكن أغنية “دوري يا فرحة عالحبايب دوري… الشام فتح ياسمين وجوري” بِلحنها الساحر، وكلماتِها الدافئة (الكلمات والألحان للمُجيدة جمانة جمال)، وتوزيعِها الموسيقيّ (الذي حلّق فيه عباس صباح)، وأداء فضل المجبول بروح انحيازه إلى ضفاف شاميّته الواسعة؛ فهل صدقتم هذرفاتي في بداية قراءتي هنا أعلاه حول التباس جنسيته بين اللبنانية والفلسطينية؟ فهل هما (ومعهما الجنسيتان السورية والأردنية) سوى جنسيةٍ واحدةٍ سابحةٍ في بحرٍ جامعٍ، ومفرداتٍ ناجزةٍ، ودبكةٍ هادرةٍ، ودسامةٍ وافرةٍ، ورغبةٍ جامحةٍ في نبش قبريْن استعماريين مقيتيْن؛ هما قبريّ سايكس وبيكو؟ لنهتف جميعنا بعد النّبش والطيّ وشِفاء الغليل، مع ابن غزّة الجريحة، محمد عسّاف الأصيل: “لنا الله عند أنين الجراح… وفقد الشهيد بساحِ الكفاح… لنا الله في كل وقت وحين… فمن عتم الليل يأتي… يأتي الصباح”، إلى أن يقول الفنان الطالعة آهات صوته من تحت أنقاض القطاعِ المدمّر المتوعّد: “سلام لغزّة سلامٌ سلام… لشعبٍ عظيمٍ ونحن الشهود… لنا الله”. عاد فضل شاكر إلى صوته المُحمّل بالحنين والوجع معًا، صوته الذي أفسح للرومانسية أفقًا رحبًا رافقه في ثمالتهِ جيلٌ كاملٌ عاش على أغنياته. ابن صيدا، القريب من المخيمات الفلسطينية، حمل في صوته وفي عودته الحميدة إليه، شجن البحر ومرارة الفقد، فصار عند كثيرين أكثر من مطرب: صار مرآةً لأحلامهِم البسيطة ولخيباتِهم الكبيرة.لعله متأخرًا عاد، ولكن أتتذكّرون: “أن تأتي متأخرًا خير من لا تأتي أبدًا”؟ مدركًا، وربما حتى موقنًا، فضل ابن عبد الرحمن ابن شمندر ابن شاكر، أن في الموسيقى بمختلف أنواعها ومساراتها، وفي الغناء بمختلف معارجه ومسرّاته وطبقات أصواته، دواء لكل داء، خصوصًا أمراض البلاد الملتبسة في هوّياتها، المبدعة في أكل أولادها، الفاقدة أبسط غرائز باقي كائنات الكوكب: الدفاع عن وجودها وحدودها ومعناها ومبرّرات بقائِها.


