الملك العالم اشور بانيبال, اتقن القراءة والكتابة باللغتين الأكدية والسومرية ،سخر موارد إمبراطورتيه الهائلة لغايات معرفية،

خلال القرن السابع قبل الميلاد، اعتلى العرش في نينوى ملكٌ امتلك رؤية مغايرة لمعنى القوة. كان “آشور بانيبال” محارباً شرساً وسع حدود مملكته، في ذروة جبروت الإمبراطورية الآشورية. لكنه تميز بكونه “الملك العالم” الذي يتقن القراءة والكتابة باللغتين الأكدية والسومرية، مفتخراً بامتلاكه “حكمة الإله نابو”. سخر الملك موارد إمبراطورتيه الهائلة لغايات معرفية، موجهاً بعثاته من النساخ والجنود إلى المعابد القديمة في بابل والوركاء ونيبور، بمهمة واضحة ومحددة: الاستحواذ على كل رقيم طيني يحمل معرفة، ونسخ المخطوطات النادرة، ونقلها لتستقر في رفوف قصره الملكي.تكدست الألواح في قاعات القصر لتشكل أول مكتبة مصنفة ومنظمة بشكل منهجي في التاريخ. ضمت المكتبة ثروة معرفية شملت كل ما عرفه العقل السومري-البابلي القديم. من نصوص الفال والتنجيم، إلى وصفات الطب والرياضيات، وصولاً إلى المعاجم اللغوية والقوائم الملكية. وتوجت هذه المجموعة بالأعمال الأدبية الخالدة، وعلى رأسها النسخة القياسية الكاملة لـ “ملحمة جلجامش”، وقصة الطوفان العظيم، وأسطورة “إيتانا”، ليحفظ آشور بانيبال بذلك التراث السومري والبابلي من الضياع، جاعلاً من نينوى عاصمة للثقافة بقدر ما كانت عاصمة للرعب العسكري.دارت عجلة الزمن لتواجه نينوى مصيرها المحتوم عام 612 قبل الميلاد، حين اجتاحت جيوش التحالف البابلي والميدي أسوار المدينة وأضرمت النيران في القصور الملكية. لكن، ولحسن الحظ، أدى هذا الحريق المدمر وظيفة الحافظ الأمين للمكتبة. فبينما التهمت النيران الأخشاب والجلود، قامت بشيّ الألواح الطينية الطرية، محولةً إياها إلى “فخار” صلب عصي على الفناء. بقيت تلك الألواح مدفونة تحت الرماد والتراب لأكثر من ألفي عام، تحتفظ بأسرارها كاملة، حتى ضربت معاول الآثاريين الإنجليز (مثل أوستن هنري لايارد وهرمز رسام) التلال في القرن التاسع عشر، لتخرج المكتبة إلى النور مجدداً، مانحةً البشرية مفتاحاً ذهبياً لفهم تاريخ الشرق القديم.

# حقبة تاريخ..# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم