الملكة التي اتخذت من الفناء رفيقاً: المأساة المظلمة لـ “جوانا المجنونة”
أصبحت الروائح الكريهة تاجاً لها، وصار التحلل ملاذها الوحيد؛ هكذا خلّد المؤرخون ذكرى المرأة التي عُرفت في سجلات التاريخ بـ “جوانا المجنونة”، ملكة قشتالة ووريثة العروش الإسبانية، وابنة الملكين العظيمين إيزابيلا وقشتالة وفرناندو دي أراغون. تحولت حياتها إلى سلسلة من الإذلال اللامتناهي والانحدار نحو غياهب الهوس، في مأساة لم تذهب بعقلها فحسب، بل هزت أركان الملكية ذاتها.
زواج سياسي بقلبٍ مضطرب
ولدت جوانا عام 1479، ورُسمت معالم حياتها وفقاً للمصالح السياسية الكبرى. وفي عام 1496، زُفت إلى فيليب الهابسبورغي، الملقب بـ “الوسيم”، في زيجة لم تكن ثمرة حب، بل نتاج حسابات باردة لتعزيز نفوذ إسبانيا في أوروبا. إلا أن هذا الاتفاق السياسي أثمر شيئاً أكثر قتامة وتدميراً.
كان فيليب، بملامحه الجذابة، معروفاً بضعفه الشديد أمام النساء، بينما كانت جوانا تتسم بمزاج حاد وغيرة مفرطة منذ صباها. عاش الزوجان حياةً صاخبة تداخلت فيها العاطفة الجياشة بفضائح الخيانة ومشاهد الغيرة العلنية التي صدمت الحاشية الملكية، لكن تلك العواصف كانت مجرد مقدمة لما هو أسوأ.
الانهيار الكبير: الموت الذي لم يغادر الغرفة
انقلبت حياة جوانا رأساً عقب الوفاة المفاجئة لزوجها عام 1506 عن عمر ناهز 28 عاماً. كانت الصدمة تفوق قدرتها على الاحتمال، حيث رفضت الملكة التسليم بحقيقة رحيله. وبدلاً من إتمام مراسم الدفن والالتفات لشؤون الحكم، أمرت بوضع جثمانه في نعش مغطى بالمخمل الأسود واحتفظت به في غرفتها، محولةً جناحها الملكي إلى ضريح موحش.
عبادة الموت و”نفس الحب”
مرت الأسابيع والأشهر والجثة في ركودها تتحلل، بينما الملكة تأبى الفراق. تشير الروايات التاريخية إلى أنها كانت تأمر بفتح النعش مراراً لتتأمل وجهه، ورغم رائحة الموت النفاذة التي بدأت تعبق في المكان، كانت جوانا تستنشقها بعمق وتسميها “نفس الحب”. وكلما حاول المقربون أو رجال الدين ثنيها عن هذا الجنون، واجهتهم بنوبات هستيرية عنيفة.
لم تكتفِ جوانا بالجلوس لساعات تناجي الرفات البارد، بل أصرت على أن يرافقها النعش في كل رحلاتها عبر أراضي قشتالة. كان موكبها الجنائزي الدائم يتحرك بين المدن والقرى، يتبعه الجنود والكهنة، وفي كل محطة، كانت تأمر بفتح الغطاء لتحدق في ملامح زوجها التي غيبها التحلل، رافضةً الاعتراف بسلطان الموت.
رائحة الفناء التي سكنت القصور
أصبح “عطر الموت” جزءاً لا يتجزأ من عالم جوانا؛ فقد اخترقت رائحة التحلل جدران القصور والأديرة التي نزلت بها. ضجّ الخدم والحاشية من تلك الرائحة التي التصقت بملابسهم وشعورهم، وفشلت كل محاولات الرهبان لإخفائها بالبخور والشموع. أما الملكة، فقد فقدت حاسة الواقع تماماً، واكتفت بالعيش في كنف رائحة الفناء، معتبرة إياها الرابط الوحيد المتبقي بفقيدها.
# مجلة إيليت فوتو آرت


