المفكر المميز، يورغن هابرماس، ومفهوم العلم كأيديولوجيا.

العلم كأيديولوجيا عند هابرماس

متى استبدلت البشرية عباءة الكاهن بالمعطف الأبيض للمختبر باعتباره الرمز الأسمى للسلطة التي لا تُسأل؟ في المجتمعات التقليدية، كانت الأيديولوجيا تتخذ أشكالاً واضحة المعالم: أساطير، أو عقائد دينية، أو موروثات تقاليد تُشرعن سلطة الحاكم وتُبرر التفاوت الاجتماعي. لكن مع صعود المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، طرأ تحول هيكلي جذري لاحظه المفكر البارز في مدرسة فرانكفورت، يورغن هابرماس، حيث لم تعد الأيديولوجيا مجرد أفكار خيالية تُفرض من الخارج، بل اندمجت في صلب التقدم التقني ذاته.في أطروحته المركزية، يجادل هابرماس بأن “العلم والتكنولوجيا” قد تحولا في العصر الحديث إلى أيديولوجيا جديدة تتميز بخاصية خطيرة: الانعدام الظاهري للطابع الأيديولوجي. كيف يحدث ذلك؟ تاريخياً، كانت السياسة تدور حول أسئلة أخلاقية وتواصلية من قبيل: “كيف يجب أن نعيش معاً؟” و”ما هو العدل؟”. لكن مع الهيمنة التقنية، يرى هابرماس أن العقلانية الأداتية (العقل الحسابي الذي يبحث عن أفضل الوسائل لتحقيق غايات محددة) قد طغت على العقلانية التواصلية (التفاهم البشري الحر). بموجب هذا التحول، يتم تفريغ الفضاء العام من النقاشات السياسية الحقيقية، لتُستبدل بأسئلة تقنية وإدارية. وفقاً لهابرماس، عندما يواجه المجتمع أزمة اقتصادية أو اجتماعية، لا يتم طرحها كقضية سياسية تتطلب حواراً عاماً ومشاركة شعبية، بل تُقدم كـ “مشكلة فنية” معقدة لا يملك حلها سوى “الخبراء” والتكنوقراط. هنا تكمن الوظيفة الأيديولوجية للعلم: إنه يُقنع الجماهير بأن القرارات السياسية تخضع لضرورات موضوعية وقوانين علمية لا تقبل الجدل.الخطورة في هذه الأيديولوجيا التكنوقراطية، كما يصفها هابرماس، هي أنها غير مرئية. الأيديولوجيات القديمة كانت تتطلب إيماناً واعتقاداً، ويمكن مقاومتها عبر تفكيك أساطيرها. أما أيديولوجيا العلم، فهي تستند إلى إنجازات مادية حقيقية (رفاهية، إنتاج، طب)، مما يجعلها محصنة ضد النقد. إنها لا تطلب من المواطن الإيمان بعقيدة معينة، بل تطلب منه فقط الإذعان لـ “الضرورة التقنية”.يخلص هابرماس إلى أن هذا التمدد للعقلانية الأداتية خارج حدود المعامل والمصانع، ليتسرب إلى صميم الحياة الاجتماعية والسياسية، يؤدي إلى حالة من “نزع التسييس” عن الجماهير. وبذلك، يتحول العلم والتكنولوجيا من أدوات لتحرير الإنسان من قسوة الطبيعة، إلى أدوات لشرعنة السيطرة المؤسسية على الإنسان نفسه.#يورغن_هابرماس #فلسفة_العلم #النظرية_النقدية#سالم يفوت#مجلة ايليت فوتو ارت ..

أخر المقالات

منكم وإليكم