المصوّر: جوزيف كوديلكا..الذي حوّل المنفى إلى ذاكرة بصرية.- بقلم الفوتوغرافي: رفيق كحالي.

جوزيف كوديلكا المصوّر الذي حوّل المنفى إلى ذاكرة بصرية

بقلم المصور الفوتوغرافي : رفيق كحالي

عن مصورٍ عبر من الهندسة إلى الفوتوغرافيا، ثم من الوطن إلى المنفى، فحوّل الاغتراب والحدث السياسي والإنسان الهش إلى صور خالدة في تاريخ العدسة .

المشروع الإنساني، براغ 1968، الروما، والمنفى

“بعض المصورين يلتقطون العالم، أما كوديلكا فكان يلتقط أثر العالم حين ينكسر.

في تاريخ الصورة، قلّة من المصورين استطاعوا أن يجعلوا الكاميرا وطناً بديلاً . وجوزيف كوديلكا واحد من هؤلاء النادرين؛ رجلٌ خرج من هندسة الطيران إلى فضاء الفوتوغرافيا، ثم خرج من بلاده إلى المنفى، لكنه لم يخرج قط من جوهر الإنسان .

***&***

جوزيف كوديلكا المصوّر الذي حوّل المنفى إلى ذاكرة بصرية

    جوزيف كوديلكا المصوّر الذي حوّل المنفى إلى ذاكرة بصرية

    بقلم المصور الفوتوغرافي : رفيق كحالي

    By rafik kehali

    عن مصورٍ عبر من الهندسة إلى الفوتوغرافيا، ثم من الوطن إلى المنفى، فحوّل الاغتراب والحدث السياسي والإنسان الهش إلى صور خالدة في تاريخ العدسة .

    المشروع الإنساني، براغ 1968، الروما، والمنفى

    “بعض المصورين يلتقطون العالم، أما كوديلكا فكان يلتقط أثر العالم حين ينكسر.

    في تاريخ الصورة، قلّة من المصورين استطاعوا أن يجعلوا الكاميرا وطناً بديلاً . وجوزيف كوديلكا واحد من هؤلاء النادرين؛ رجلٌ خرج من هندسة الطيران إلى فضاء الفوتوغرافيا، ثم خرج من بلاده إلى المنفى، لكنه لم يخرج قط من جوهر الإنسان .

    وُلد كوديلكا عام 1938، وبدأ مساره في عالمٍ أوروبي مضطرب، قبل أن يتحول إلى واحد من كبار ممثلي التقاليد الإنسانية والشاعرية في التصوير الأوروبي خلال النصف الثاني من القرن العشرين . صوّر الروما، ووثّق غزو براغ، وعاش تجربة اللجوء، ثم وسّع رؤيته لاحقاً إلى فضاءات بانورامية تكشف الأرض وهي تُجرح بالصناعة، والسياسة، والزمن . لذلك لا تبدو أعماله مجرد صور، بل تبدو كسيرة بصرية طويلة للمنفى، والكرامة، والتشظي، والمقاومة الصامتة .

    بدأ جوزيف كوديلكا حياته المهنية مهندساً للطيران، لكنه انصرف تدريجياً إلى التصوير، وبدأ منذ عام 1962 يصوّر مجتمعات الروما في أوقات فراغه، قبل أن يتفرغ للفوتوغرافيا بشكل كامل في أواخر الستينيات . هذا الانتقال ليس مجرد تحول مهني، بل انعطاف وجودي؛ فقد ترك العالم المحكوم بالدقة التقنية لينحاز إلى عالم أكثر هشاشة وعمقاً، عالم الإنسان حين يكون عارياً أمام القدر .

    في مشروعه عن الروما، لم يذهب كوديلكا إلى موضوع جاهز للفرجة، بل إلى عالمٍ إنساني كان يعيش على حافة الاندثار والتحول القسري . وبين عامي 1963 و1970 زار أكثر من ثمانين موقعاً في سلوفاكيا ورومانيا ومورافيا وبوهيميا، منغمساً في حياة الروما واحتفالاتهم وموسيقاهم، ليصنع من ذلك واحداً من أهم المشاريع الفوتوغرافية في القرن العشرين . وقد تُوّج هذا المشروع بصدور كتابه الشهير Gypsies عام 1975، وهو الكتاب الذي كرّس اسمه عالمياً .

    “لم يكن الروما عند كوديلكا موضوعاً بصرياً، بل مرآةً للحرية الهاربة في عالمٍ يضيق.”

    ثم جاءت لحظة براغ 1968، تلك اللحظة التي خرج فيها كوديلكا إلى الشارع ليواجه الدبابات لا بالسلاح، بل بالصورة . عندما اجتاحت قوات حلف وارسو براغ في أغسطس 1968، أخذ يصوّر الاحتلال بلا توقف طوال أسبوع، متسلقاً الدبابات ومندمجاً وسط المحتجين والجنود، حتى أصبحت صوره من أهم الشهادات البصرية على ذلك الحدث . وقد هُرّبت أفلامه إلى الغرب ونُشرت عالمياً تحت الأحرف P.P. اختصاراً لعبارة “Prague Photographer” حمايةً له ولعائلته، قبل أن يُمنح عنها عام 1969 جائزة روبرت كابا الذهبية بصورة مجهولة الاسم .

    في تلك الصور، لا نرى حدثاً سياسياً فقط، بل نرى الإنسان وهو يقف عارياً أمام التاريخ، محاصراً بالقوة، لكنه لا يفقد كرامته .
    في عام 1970 غادر كوديلكا تشيكوسلوفاكيا طالباً اللجوء، وعاش سنواته الأولى في المنفى بين السفر والعمل والترحال المستمر، قبل أن يصبح مواطناً فرنسياً عام 1987 . وخلال ذلك المنفى واصل بناء مشروعه البصري، وصدر له كتاب Exiles عام 1988، وهو عمل يترجم شعور الاغتراب عبر رموز مثل الحيوانات الشاردة، والشخصيات المنفردة، والأشياء المتروكة، والعوالم المشروخة . هنا لم يعد المنفى عنده مكاناً جغرافياً فقط، بل أصبح حالة بصرية ونفسية تطبع الصورة من الداخل .

    “حين فقد الوطن، جعل من الصورة خريطةً مؤقتةً للانتماء.”

    ومع تطور تجربته، اتجه كوديلكا منذ عام 1986 إلى استخدام الكاميرا البانورامية، فصوّر أراضيَ منزوعةً من توازنها، ومناطقَ مزّقتها الصناعة، وأمكنةً أثقلها التاريخ والنزاع . وأثمر هذا المسار كتباً بارزة مثل Chaos عام 1999 وWall عام 2013 وRuines عام 2020، مؤكداً أن مشروعه لا ينحصر في الإنسان وحده، بل يمتد إلى الجرح الذي يتركه الإنسان على الأرض . وهكذا تظل أعماله، من الروما إلى براغ إلى المناظر البانورامية، متصلة بخيط واحد: البحث عن الحد الأقصى من الحقيقة البصرية، كما يعبّر هو نفسه .

    “بعض الصور توثّق الحدث، أما صور كوديلكا فتجعل الحدث جرحاً دائماً في الذاكرة.”
    – “في عدسته، يتحول المنفى من حالة سياسية إلى قدرٍ بصري.”
    – “لم يكن يبحث عن الجمال السهل، بل عن الحقيقة حين تظهر متعبةً ومجرّدة.”**
    – “صوره لا تصرخ، لكنها تترك في الروح صدىً يصعب إسكاتُه.”
    جوزيف كوديلكا ليس مصوراً كبيراً لأنه شهد على عصره فقط، بل لأنه عرف كيف يحوّل الشهادة إلى فن، وكيف يحوّل الفن إلى موقف . لقد التقط الروما في هشاشتهم النبيلة، والتقط براغ في لحظة انكسارها، والتقط المنفى وهو يعيد تشكيل الإنسان من الداخل .

    ومن هنا، فإن إرثه يتجاوز حدود الفوتوغرافيا الوثائقية التقليدية . إنه إرث يذكّرنا بأن الصورة ليست مجرد أثر ضوئي على ورق، بل يمكن أن تكون وطناً أخيراً للذاكرة حين تضيق الأوطان، وملاذاً أخيراً للكرامة حين يشتدّ الخراب. لذلك يبقى كوديلكا واحداً من أولئك القلائل الذين لم يصوّروا العالم كما هو فقط، بل كشفوا ما يفعله العالم بالإنسان .

    ***&***
     المصادر:
    موقع : أخبار فن التصوير
    موقع: https://p.dw.com/p
    موقع: الجزيرة نت
    موقع : اليوم السابع
    موقع : إرم نيوز
    موقع : مواقع اجنبية+ فيس بوك + ويكبيديا
    موقع:إيليت فوتو آرت https://elitephotoart.net

    أخر المقالات

    منكم وإليكم