المشاعر بين الواقع والفهم الإنساني

سالي جابر- أخصائية نفسية

نتألم أحيانًا من قول شخص ما، حتى وإن كان على سبيل الهزار، فقد يترك أثرًا سيئًا فينا رغم أنه لم يقصد ذلك. ونجد من يرى أن الفعل بسيط ولا داعي لأن يؤثر بنا، ويقول: «لقد تألمت كثيرًا وأنت لم تعرف بما شعرت»، أو «مشكلتك بسيطة مقارنة بمشكلتي»، وهكذا. لكن الحقيقة أن المشاعر لا تُناقش؛ فهي تجربة داخلية فردية لا يمكن لأحد أن يلمسها إلا صاحبها.

ولنتذكر موقف الحبيب – صلى الله عليه وسلم – في بدر، عندما كان يعدل الصفوف متراصةً ومستقيمةً، وبيده سهم لا ريش له لتسوية الصف، فرأى رجلاً اسمه سَوَّاد بن غَزِيَّة خرج من الصف، فوكزه صلى الله عليه وسلم في بطنه وقال له: «استوِ يا سَوَّاد»، فقال: «يا رسولَ الله أَوْجَعْتَنِي! وقد  بعثك الله بالحق والعدل، فأقِدني»، فكشف الرسول صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: «استَقِدْ»، فاعتنقه وقبّل بطنه وقال: «ما حملك على هذا يا سَوَّاد؟» فقال: «يا رسولَ الله حضر ما ترى؛ فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك»، فدعا له الرسول بخير.

تصرف النبي صلى الله عليه وسلم هنا لم يقل له: «هذه ريشة لم تؤذيك»، بل أقرّ شعوره وترك له الحق في التعبير عن الألم، وأظهر التعاطف والرحمة. وهذا يذكرنا بأن وراء كل تصرف وانفعال مشاعر وتجارب لم ندركها. نحن لا نرى الواقع كما هو، بل هناك دائمًا نسختان: نسخة الحقيقة، ونسخة ما نراه نحن، والفجوة بينهما تنحصر في (نفسي، الآخر، وللسياق الذي قيل فيه الكلام).
 
حتى في حياتنا اليومية، قد يمازح شخص زميله في العمل أو صديقه، فيترك أثرًا نفسيًا سلبيًا لا يظهر للوهلة الأولى. هذا يوضح أن تأثير الكلمات أحيانًا أكبر من نوايا المتحدث، وأن المشاعر تجربة داخلية لا يمكن الحكم عليها من الخارج.

ما يراه المتحدث مجرد مزاح أو تفاهة، قد يكون لدى المتلقي تجربة مختلفة تمامًا. هذا يسلط الضوء على أن الحكم على شعور الآخرين غير موضوعي، وأن التعاطف يبدأ بالاستماع والاعتراف بالألم دون مقارنة أو محاكمة.
 
الفلاسفة أكدوا أن المشاعر تجربة شخصية لا يمكن تقويمها من الخارج. كما يقول روسو: «لا أحد يمكنه معرفة المعاناة الداخلية للآخر». وأرسطو أضاف: «الرحمة لا تعني تجاهل الألم، بل فهمه ومشاركته». وعلم النفس الحديث يوضح أن التعاطف والاعتراف بمشاعر الآخرين يقللان من التوتر ويقوّيان الترابط الاجتماعي.
 
قبل أن تحكم على شعور أحد، تذكر أن الألم لا يُقاس، والمشاعر لا تُناقش… حاول أن تستمع، تفهم، وتواسي. فالتعاطف والرحمة هما الجسر بين القلوب، سواء في الحب، الصداقة، أو التعامل اليومي.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم