المسافة صفر وثائقي عن حرب الابادة في غزة.

من المسافة صفر وأقرب”: “الأمنية”و”أحلام صغيرة جدًا”

بثينة حمدان

يستمر إنتاج الأفلام الوثائقية تحت الإبادة في غزة، ضمن إمكانيات تقنية شحيحة وظروف معقدة. في هذا الجزء من تحليل أفلام “من المسافة صفر وأقرب” نتناول فيلم “الأمنية” الذي يلقي الضوء على تجربة مجموعة من الأطفال ضمن حصص الدراما والدعم النفسي، وفيلم “أحلام صغيرة جدًا” الذي تناول حياة النساء تحت الإبادة والتجويع وعدم توفر أبسط المقومات الصحية التي تتعلق باحتياجات النساء وأثر ذلك على نظافتهن ونفسيتهن وصحتهن.فيلم “الأمنية” للمخرج أوس البنا – 25 دقيقةوثائقي علاجي تشاركي يصنع فيه المخرج ومدرب الدراما والمسرح أوس البنا مع مجموعة من الأطفال محاكاة درامية فنية وسط الحرب. محاولة جادة لصناعة فيلم من فنان فقد البيت والحبيبة والكثير من الأصدقاء، يساعد مجموعة من الأطفال على الاستشفاء نفسيًا عبر جلسات الدراما والتفريغ النفسي انطلاقًا من خبرة أوس الطويلة في هذا المجال منذ عام 2015.ثماني طفلات هن ماريا ورغد ودينا وسحر وغِنى وتالين وفرح وآمنة، لكل منهن حكاية قهر ووجع. الأولى تحكي حكايتها ثم تصرخ فجأة باكية: “بدي بابا… كان يحملني على أكتافه”، والطفلة الثانية تختبئ خلف بكائها بعد أن مرت في خيالها كل الذكريات وكل صديقاتها اللاتي استشهدن جميعهن، لتترك للمشاهدين سؤالًا أفترضه: كيف تكون حياة طفلة استشهدت كل صديقاتها؟كل مشهد ينفتح على مشاهد أخرى غيبية أو افتراضية أكثر ألمًا، حيث تتحدث الطفلة الثالثة عن شعرها الطويل الحريري، الذي لم يعد ناعمًا واضطرت إلى قصّه، تقول: شعري كل حياتي. تحلم أن يعود كما كان نظيفًا طويلًا لامعًا. والسؤال المتوقع هنا برأيي: هل يُعتبر هذا حلمًا مستحيلًا تحت الإبادة حقًا؟أما الطفلة الرابعة فلم تستطع الكلام وبعد محاولات من المدرب، قررت أن توشوش صديقتها. ثم تأتي الطفلة الخامسة لتطرح لنا تساؤلاتها عن الحياة قبل الحرب: كم كانت أجمل! بل وتعبر عن قهرها من فكرة الذهاب للوقوف في طابور تكايا الطعام وطوابير المياه، بل إنها كرهت وقوفها لساعات أمام طوابير شحن الهواتف النقالة هنا وهناك. موقف هذه الطفلة وكرهها لهذا النمط من الحياة، يجعلنا نرى بشكل مختلف الصور التي تصل العالم وقد اعتاد المصورون التقاطها والتي تعبر عن المجاعة ومرارة العيش من خلال ازدحام الأطفال مع أطباقهم الفارغة عند تكايا الطعام. إنها ليست الصور التي يرغب أطفال غزة بأن تنتشر عنهم فهو نمط حياة أُرغموا عليه. وفي الجلسة يأتي صوت أوس المدرب ليعزز ثقة هذه الطفلة بنفسها: “لا تخجلي مما تقومين به، نحن نتعلم كيف نعيش وإنتِ بتعملي هيك عشان بدك تعيشي وكله رح يتغير”.أوس والأطفال هم الأبطال وهم الأدوات والنص والخط الدرامي، هم الممثلون وهم الحقيقة. لقد كانوا في هذا الفيلم صادقين إلى درجة يصعب التفريق بين المشاهد الدرامية والوثائقية، فهو نتاج مسرحية “الأمنية” لمجموعة من الأطفال بعد رحلة علاجية عبر الدراما مكونة من 18 جلسة نُفِّذت بصعوبة على مدار ثلاثة أسابيع. المسرحية المؤثرة التي عُرضت أمام الأهالي والأطفال النازحين جعلت أوس يقرر إعادتها وتصويرها في فيلم وثائقي. نعم بكى الأطفال مرة أخرى خلال الجلسات وقد يبكون مرة ثالثة ورابعة لأن حجم الألم لا تُسكِته دمعة أو جلسة تفريغ.تنوعت الجلسات بين تمارين الثقة وجلسات تركز على جمع قصصهم الحقيقية، ثم تحويلها إلى مسرحية وصولًا إلى عرضها أمام الأهالي، كما ركزت الجلسات على آليات مواجهة الصدمات وتخطيها وكيفية التعامل معها وإدراك حقيقة واحدة مفادها أنه مهما كان هذا اليوم صعبًا فإن القادم أجمل وفيه أمل. هذه كانت مهمة أوس النازح من غزة إلى خانيونس، والذي أثناء عمله مع الأطفال في مخيمات النزوح أُصيب في ساقه واضطر إلى تركيب البلاتين ومع ذلك تابع عمله.أخبرني أوس أن التصوير لم يكن سهلًا حيث تنوعت أعذار الأطفال ما بين: “مش قادر أجي، لازم أعبي ماء، لازم أجيب أكل”. أعذار لا يمكن تجاهلها وتستحق فيلمًا آخر، وكلها تؤثر على مجريات التصوير، وتزيد من مدته، مع اعتماد التصوير بالكامل على هاتف نقال لغياب أي معدات تقنية، يُضاف إلى هذا علاقة الأطفال بالكاميرا من قلق وخوف خاصة وأنها تجربتهم الأولى.وفي المشهد الأخير عندما ينتهي الأطفال من هذه الرحلة العلاجية النفسية ليقدموا مسرحية “الأمنية” تقول إحداهن تعليقًا على حكايا الأطفال وأحلامهم بأن: “المشكلة ليست في التعويذة أو السحر… المشكلة فش إشي أصلًا”.وتبقى هذه الفكرة هي الأمنية الكبيرة والصغيرة في آن معًا، فلا تعويذة تعيد للطفلات أحلامهن وحياتهن السابقة، فالقصة ببساطة أنه لا يوجد شيء. ينتهي الفيلم وبين يدي المشاهدين حكمة حياتية ثمينة من أفواه الصغيرات: العيش في ظل عدم وجود شيء.فيلم “أحلام صغيرة جدًا” للمخرجة اعتماد وشاح – 20 دقيقةومن عالم الأطفال تحت الحرب وأمنياتهم الصغيرة إلى عالم النساء وأحلامهن الأصغر، نتناول هذا الفيلم الذي يحكي عن المرأة التي كُتِب في جيناتها الوراثية منذ الأزل أنها المعطاءة التي تحمل هموم الجميع من حولها وفي نهاية اليوم لا بد أن تبكي حالها. هذا هو الفهم النمطي لوجود المرأة بحياتنا، والذي ينبثق من دورها كأم ومن صفاتها الأنثوية.خلال الحرب كانت مقاطع الفيديو المنتشرة لكراتين المساعدات الملقاة من الطائرات تُقابَل بالسخرية إذا كانت مليئة بالفوط النسائية الصحية، بدلًا من الغذاء كأولوية. لكن هذا الفيلم يركز على المأساة التي تعيشها النساء ويغوص في تفاصيل احتياجاتهن، وبالتأكيد كانت إحدى أحلام نساء غزة توفير هذه الفوط سواء عبر البحر أو السماء أو المعابر البرية.يتناول الفيلم الوثائقي قصة ثلاث نساء؛ الأولى سميرة عبد النبي، أرملة استُشهد زوجها في الحرب لتتحول إلى أم وأب معًا على كاهلها مهام قاسية، كما أنها تعيش في خيمة واحدة مع بناتها وزوجة ابنها وطفل صغير، ثمانية في خيمة واحدة!لا تستطيع سميرة النوم طوال الليل، فالخيمة ليست آمنة، بعد أن فقدت باب البيت المُحكَم، وفقدت الزوج، اختلطت أنوثتها مع الذكورة، فهي تقوم بكل المهام، بل وتصنع الفوط الصحية من شرشف سميك أو بشكير، وتعيد غسله مرارًا، وتُصاب جميعهن بكل الأمراض من حكة وبكتيريا وفطريات، وخلال فترة الدورة الشهرية تنكفئ على ذاتها في الخيمة لا تخرج خوفًا من الإحراج فهذه الفوط لا تمتص كل ما تنزفه من دماء.والقصة الثانية هي لابنتها ملك التي تحدثت عن الخصوصية المفقودة بعد أن كان لكل منهن غرفة وخزانة وملابس وأشياء خاصة لا يُسمح لأحد الاطلاع عليها، بل باتت ملابسهن مباحة لجميع نساء البيت. كان حديث ملك يشبه الحديث عن هوية شخصية مفقودة.حدثتنا ملك عن أختها التي تعرضت للإحراج أمام الناس بسبب ظهور نزيف الدورة الشهرية على ملابسها فدخلت الحمام وبكت ساعة كاملة، وهكذا تحولت النساء رمز الخصوبة والجمال إلى “أجساد تمشي على الأرض” كما قالت الأم، إلى درجة أصبحت معها فكرة تمني الموت قريبة جدًا لها.في ظل هذه الأجواء تحولت ملامح الأنوثة إلى نقطة سوداء بدلًا من أن تكون رمزًا لأنثى تزداد جمالًا مع استمرار دورتها الطبيعية التي تزيدها نعومة وتمنحها الأمان والأمل بفرص قادمة للحمل وأن تكون أمًا في يوم من الأيام.وتناولت المخرجة في القصة الثالثة نورا جبر وهي أم لأربعة أطفال فوجئت أثناء النزوح بأنها حامل، وفعلًا أنجبت تحت الإبادة طفلًا بلا أي تحضيرات أو ملابس للمولود الجديد، وكان كل ما تمتلكه بعض قطع القماش التي استخدمتها بديلًا عن الحفاضات والتي سببت للرضيع التهابات كثيرة.ولادة بلا أي إحساس بالفرح، وقُبُلات محرمة بين الأم وأطفالها جميعًا بسبب سرعة انتقال الأمراض، وقد لخصت نورا أحلامها بجملة أقصر من اللازم فقالت: أن تنتهي الحرب ويرجع جزء بسيط من حياتنا.ينتهي الفيلم عندما تذهب النساء إلى البحر للاغتسال والتطهر من الدورة الشهرية، وربما من أشياء كثيرة أخرى ومشاعر تعتمل في صدورهن لا يمكن أن يتلقفها سوى هذا البحر الذي لم يتغير في عطائه رغم الإبادة.وفي كواليس التصوير واجهت المخرجة اعتماد مواقف من الخطورة ما يمكن أن يمنعها من الاستمرار، ففي إحدى لحظات العمل والتنقل عبر عربة تجرها دابة، اشتد القصف واهتز المكان وتناثر كل شيء من حولهم مما غمر الكاميرا برماد الدمار. توقفوا لتفحص أنفسهم ثم الكاميرا التي اضطروا لفتحها وتنظيفها من أجل استمرار التصوير.في ظل هذا الرعب، وخلال عمل اعتماد في المجال النسوي ومراقبتها لاحتياجات النساء فيما يتعلق بالدورة الشهرية وعدم توفر أدنى أدوات النظافة الشخصية وانتهاك خصوصيتهن خلال النزوح، جاءت فكرة الفيلم.وهكذا بين أمنيات الأطفال وأحلام النساء يوثق أوس واعتماد حكايات بصرية لا تنتهي وتفاصيل لا ترصدها عدسات الأخبار، يفتحان الباب على مشاهد أخرى تترك المجال لتبقى عالقة في أذهان المشاهدين، وذلك عبر تساؤلاتهم اللانهائية وخيالاتهم عن صعوبة الحياة. #ضفة ثالثة #مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم