… جمهورية الحكماء… ومذبحة الغرائز: لماذا قُتلت يوتوبيا أفلاطون على مذبح الطبيعة البشرية؟
في البدء، كان الحلم. حلمٌ عذريٌّ نقّي، كُتب بلغة العقل والهندسة الرياضية للروح، اسمه “المدينة الفاضلة”. كان أفلاطون، الفيلسوف اليوناني الذي صكَّ المصطلح وصاغ معماره، يرى أن الإنسان إذ يولد، تولد معه بذرة الخير، وأن العلة الوحيدة في فساد المُدن هي الجهل. فلو حكم الفلاسفة، أولئك الذين تذوقو “المُثُل” بذائقة الضمير والوجدان ، لعرف البشر الفضيلة، ولسكنوا في يوتوبيا (Utopia) – تلك الكلمة التي تجمع بين “المكان الطيب” و”اللا مكان” في آنٍ واحد، وكأنها منذ مولِدها اعترافٌ ضمنيٌّ باستحالة تحققها.
أما الضفة الأخرى من النهر، فهي الديستوبيا (Dystopia)، المدينة الخبيثة، وهي ليست مجرد فشلٍ لليوتوبيا، بل هي يوتوبيا تحولت إلى وحش. إنها تجسيدٌ أدبي وفلسفي لانتصار الجانب البهيمي في الإنسان، بعد أن وُضع قناع الفضيلة على وجهه بالقوة. إنها “عالم جديد شجاع” كما وصفه هكسلي، أو عين “الأخ الأكبر” التي لا تنام عند أورويل. الفارق بين يوتوبيا أفلاطون وديستوبيا العصر الحديث، هو أن أفلاطون آمن بأن العقل وحده كافٍ لترويض الوحش الكامن في أعماقنا، بينما أثبت لنا التاريخ، والأدب، وعلم النفس، أن هذا الوحش لا يُروَّض، بل يُخدَّع مؤقتًا، ثم يثور بعنفوانٍ أشد قسوة.
وهنا تكمن الفاجعة الفلسفية الكبرى: هل أخذ أفلاطون في حسبانه أن البشر لا يستطيعون الاستمتاع بالاستقرار والفضيلة؟ الإجابة المؤلمة هي: لا. لقد بنى أفلاطون جمهوريته على أساس أن “الفضيلة هي المعرفة”، مغفلاً أن المعرفة قد تكون أحيانًا أقسى عذاب للإنسان، وأن النفس البشرية لا تكتفي بالخير الهادئ، لأن في تكوينها شيئًا من ضجر الآلهة وقلق الشياطين.
لقد تجاهل أفلاطون، أو تغافل، عن أن الجانب الغريزي البهائمي للغالبية من البشر ليس مجرد “خطأ قابل للتصحيح” بالتعليم، بل هو وقود الحياة نفسه. نحن لا نريد السعادة المصنوعة في مختبرات الحكماء، نريد السعادة التي ننتزعها انتزاعًا من بين أنياب الفوضى. إن الاستقرار المطلق، كما يتخيله الفيلسوف، مملٌ حدَّ الموت. إنها معضلة الجنة: لو ضمنتَ الخلود بلا ألم، وبلا صراع، وبلا جشع، فهل تبقى إنسانًا؟
انظر إلى قلب الإنسان، تجد ذلك التناقض المرعب: نحن كائنات تبحث عن المعنى في الألم، وتستلذ بالتجاوز، ويشعرها الطمع بأنها حيّة. الجشع ليس مجرد رغبة في التملك، بل هو صرخة وجود، دليل على أننا لم نُخلق لنكون “ملائكة عقل”، بل “وحوشًا” مترعة بالشهوة. الاعتلال النفسي، ذلك الجانب المظلم، ليس استثناءً مقيتًا في الطبيعة البشرية، بل هو تضخيمٌ لجينات الأنانية التي تحفظ النوع. كيف لجمهورية أفلاطون، التي تفترض أن من يرى الخير سيفعله لا محالة، أن تصمد أمام إنسان يرى الخير بوضوح، ثم يختار، بكل حرية وبهجة شيطانية، أن يفعل الشر؟
إن انهيار مشروع أفلاطون لا يكمن في هشاشة فكرته، بل في جهله بتركيبة الروح. لقد أراد أن يبني مدينة من الكريستال النقي، فحطمتها الصخور البدائية للرغبة. كل يوتوبيا تُفرض من فوق، بالعقل المجرد، تتحول تلقائيًا إلى أقسى ديستوبيا، لأنها تُلغي حق الإنسان في أن يكون مخطئًا، طماعًا، مضطربًا، وبشريًا. نحن لسنا ملائكة سقطوا على الأرض فحسب، بل نحن حيوانات تحلم بأن تكون ملائكة، وفي هذه المسافة المتأرجحة بين الوحل والنجوم، تُصنع المأساة، وتُكتب الملاحم، وتُهدم المدن الفاضلة.
ولعل الدرس الأكثر مرارة الذي تقدمه الديستوبيا لنا، هو أن الجحيم ليس غياب النظام، بل هو نظامٌ كاملٌ خالٍ من الفوضى البشرية. ففي سعي أفلاطون لاستئصال الذئب من داخلنا، نسي أن الذئب هو ما يجعلنا نعوي في وجه القمر، نتمرد، نخاف، ونحب. قُتلت يوتوبيا الحكماء لا لأنها كانت حلماً سيئاً، بل لأنها كانت حلماً لا يتسع لبشاعة الإنسان، وجماله البري المطعون بالخطيئة … RAMI
#المدينةالفاضلةأفلاطون#المثقفون السوريون #مجلة ايليت فوتو ارت ..


