المخرجين حين نتابعهم منذ البدايات ،يبقون بالذاكرة.

المخرجون الذين نكتشفهم منذ خطواتهم الأولى، حين لا يعرفهم أحد بعد، ونكبر معهم فيلماً بعد فيلم، يحتلّون مكاناً خاصاً في وجداننا. هذا هو شعوري أيضاً تجاه المكسيكي أليخاندرو غونزاليث إينياريتو، الذي أذكر تماماً اليوم الذي اقتنيتُ فيه “دي في دي” لفيلمه الأول “أموريس بيروس”، وشاهدته بدهشة.كانت الانطلاقة الفعلية لأندرسون في منتصف التسعينات، زمن كانت السينما الأميركية في حاجة إلى مَن يعيد ألقها، بعد تيارين رئيسيين رسم كلّ منهما ملامحها: “هوليوود الجديدة” والـ”بلوكباستر” الذي اضطلع ستيفن سبيلبرغ بدور كبير في التمهيد له، بصيغته المعاصرة. في “الثمانية الصعبة”، وظّف أندرسون الحرية الفنية التي ورثها من أسلافه، مثل فرانسيس فورد كوبولا، براين دبالما، مارتن سكورسيزي وغيرهم.جيل أندرسون استلهم حساسيته الفنية من فضاء المشاهدة المنزلية، وتزامن ظهوره مع ظهور موجة الأفلام المستقلة، التي قدّمت جماليات بديلة وخطاباً موازياً، لكن دائماً بنبرة شخصية تواكب الخطوة الأولى خلف الكاميرا. أسماؤهم: سادربرغ، تارانتينو، فينتشر، بعضهم تعاون لاحقاً مع الاستوديوات من دون أن يفقد هويته أو نكهته الفنية.من الصعب تحديد اللحظة التي بدأتُ فيها أعتبر بول توماس أندرسون معلّماً سينمائياً بحقّ، على صلة ما برواد مثل كوبريك وولز، اللذين بدأا يقدّمان روائعهما في سنّ مبكرة. لكن هناك لحظة مفصلية لا تُنسَى، انتقل على إثرها من كف إلى كف: “ماغنوليا”، ثالث أفلامه الطويلة، الذي اختتم به ألفية وافتتح أخرى، وكان حينها لم يبلغ الثلاثين بعد. فيلم كورالي من أكثر من ثلاث ساعات، مستوحى من نمط روبرت ألتمان (لم يخف تأثّره به مثل تأثّره بأعمال ماكس أوفولس وجوناثان ديمي)، فرض وجوده بقوة، ونال عنه “الدبّ الذهب” في مهرجان برلين، خلال دورة كانت لجنة تحكيمها برئاسة النجمة الصينية غونغ لي.لا أزال أذكر مشهد السماء وهي تمطر بالضفادع، تعبيراً عن المصادفة والقدر في حياة الشخصيات. ولكن أكثر ما ظلّ ماثلاً في ذاكرتي هو اللحظة التي تدخل فيها جوليان مور إلى الصيدلية لشراء بعض الأدوية، فتأخذ الأحداث مساراً غير متوقع. أعتقد أن انفجار موهبة أندرسون تزامن مع انفجار غضبها في وجه الصيدلاني الشاب الذي ماطل في خدمتها. ربما كانت اللحظة التي شعرتُ فيها بأن هذا المخرج كبر فجأةً أمام أعيننا، بينما كان هو ذاته لا يزال في طور التشكّل.بعد “ماغنوليا”، أصبح كلّ فيلم لأندرسون حدثاً في ذاته، على غرار أفلام سكورسيزي – معلم آخر له – أو كريستوفر نولان، الذي يشترك معه في انطلاقه بفيلم بسيط، بموزانة محدودة وفكرة خلاّقة (“الثمانية الصعبة” مقابل “تعقّب”)، قبل أن يصل إلى الإنتاجات الهوليوودية. إنه مسار تصاعدي نادر يجمع بين الطموح الفنّي والاعتراف الجماهيري، الأمر الذي كان حكراً على عدد محدود من المخرجين عبر التاريخ.منذ بدايته، ومع محدودية الإمكانات، راهن أندرسون على الممثّلين، فاختار أفضلهم وأبرعهم ليحقّق رؤيته. تعاونه مع دانيال داي لويس في “ستُرهَق الدماء”، العمل الذي استغرق إنجازه خمس سنوات، سيتجدّد في “الخيط الشبح”، الذي يصوّر علاقة مشحونة بين خيّاط مهووس بالكمال (داي لويس) وملهمته (فيكي كريبس). شخصية الخيّاط تجد صدى لها عند المخرج نفسه، في عمله القائم على بناء عالم متكامل من خلال التحكّم بأدق التفاصيل، ممّا يعكس فلسفة أندرسون في السينما: السيطرة على كلّ خيط في نسيج القصّة.# هافيك حبشيان# مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم