La Grazia عن فيلم سورنتينو قليلة هي الأفلام التي تتهادى بتؤدة حين يأتي مفهوم السلطة ليُحاكَم. فإمّا أن تُحال اللحظات الدرامية بكل زخمها لتلخّص سلطة تتهاوى، أو لتجسّد سلطة تتغوّل وتنقضّ لالتهام الجميع. لكن في فيلم سورنتينو ” النعمة” (La Grazia)، يتمهّل رأس السلطة، رئيس الجمهورية المتخيَّلة، ويفكّك عناصر وجوده، ويسائلها بعد رحلة عمر توشك على الانتهاء. هكذا، بسلام ودون عنف أو دماء، ودون اقتحامات عسكرية أو انقلابات أمزجة وقلوب، سيغادر رئيس إيطاليا إلى بيته بعد انتهاء مهلتين رئاسيتين، كما لو أنه موظف وصله التقاعد باعتيادية وبلادة، بأمان وسلام. هكذا ينهي تلك الرحلة بحفل تشريفي يسبقه فيه روبوت وحرس شخصي متواضع العدد، يوصلونه إلى بيت لا بهرجة فيه، بيت يبدو في نهاية الشارع المقابل للقصر الرئاسي. يذهب الرئيس حتى نهاية المشوار مكلّلًا لا بالغار، بل بالخيبة وبكثيرٍ كثيرٍ من الأسئلة.في “النعمة” يقدّم باولو سورنتينو فيلمًا يمكن اعتباره خلاصة مرحلة. فالهدوء الذي يقترن بإيقاع الفيلم يوحي بالاستخلاصات. المشروع، في جوهره، بسيط تلك البساطة الكاملة، حيث يأتي الثقل من مكان آخر، من أسئلة العدل، ومن تحرّي الإجابات التي لا تنفع معها المعرفة. فما الذي سيضيف لرئيس متقاعد إن عرف من هو عشيق زوجته التي فقدها منذ أربعين عامًا؟ مثل هذه الأسئلة الجحيمية تحرق قلب الرئيس الوحيد حتى الفجيعة. تدور دراما “النعمة” في أيام قليلة من نهاية ولاية الرئيس، حيث تتكدّس على مكتبه قرارات أخلاقية وقانونية كبرى عليه اتخاذها.على العكس من أفلامه السابقة، ينحو سورنتينو بمزاجه الإخراجي نحو تقشّفٍ واضح. تتحرّك الكاميرا في مجال أقل حيوية واستعراضًا. الحركة المضبوطة، كالنظام الرئاسي البليد المكرَّر، تشتبك عضويًا بالتكوينات المعمارية الباردة والمجرّدة للقصور الرئاسية، التي تُصوَّر هنا كفراغات نظيفة معقّمة، حيث لا مجال فيها للارتجال ولا للمخيّلة. فالمكان هنا، على رحابته، خانق، معزول، ميت. الرموز الأكثر فخامة لا تُفهم إلا بمزاجها المتحفي. الموسيقى، العلامة الأبرز في سينما سورنتينو المليئة بالعلامات، تلك الموسيقى التي لطالما شكّلت في أفلامه عنصر إغواء أساسيًا، استُخدمت هنا بحذر شديد، كما لو أنها حُجبت لصالح الصمت وأصوات العزلة، إن كان للعزلة من صوت. المونتاج يؤكّد مرور الوقت: قطعات نظيفة، محسوسة، متعمّدة، تقطع امتداد الزمن الذي يأبى أن ينقضي من شدّة الملل، حيث لا يحدث شيء غير مكتوب سلفًا على لوح الوقت. بقلب امتداد جاثم للزمن، يأتي المونتاج ولا يسمح للقطات أن تطيل إقامتها، رافضًا أي شكل من أشكال العجلة.في “النعمة” يقدّم باولو سورنتينو فيلمًا يمكن اعتباره خلاصة مرحلة. فالهدوء الذي يقترن بإيقاع الفيلم يوحي بالاستخلاصات. المشروع، في جوهره، بسيط تلك البساطة الكاملة، حيث يأتي الثقل من مكان آخر، من أسئلة العدل، ومن تحرّي الإجابات التي لا تنفع معها المعرفةالسلطة وزمن لا يمضيبهذا المعنى، يبدو فيلم “النعمة” كأنه يطفئ الأضواء التي اعتدناها عند باولو سورنتينو. فهو يقف على مسافة واضحة من “السبيكتاكليّة” البصرية التي يتخم بها ” الجمال العظيم ” (The Great Beauty)، حيث ظلّت الكاميرا هناك تنبض مع تفجّر الحياة في كل كادر. يتخلّى سورنتينو في “النعمة” أيضًا عن تلك المسرحة الفاتنة للسلطة التي طبعت (Il Divo) ، كما يبتعد عن الحميمية السيرية والمزاج الاعترافي في “يد الله” (The Hand of God). في “النعمة”، لا ندخل معه إلى مدينة تتلألأ، ولا نقف عند ذاكرة تندلق منها الصور اندلاقًا كمطر توراتي. يبدو الفيلم مجرد فضاء مؤسسي بارد، بإيقاع متقشّف، ووجود إنساني يبهت تحت ثقل المنصب. السلطة لم تعد استعراضًا ولا لغزًا كاريزميًا، بل عبئًا صامتًا. نغور معه، كمتفرجين، في فجوة بين الرئيس الفرد ودوره المُمسرَح، بين رجل يسنّ القرار، ويده المرتجفة تخطّ التواقيع الأبدية الملزِمة بأمورها.توني سيرفيلو… وجه لا يُملّ منهيؤدّي الدور الرئيسي في الفيلم توني سيرفيلو، في تعاون جديد يؤكّد فيه أنه الوجه الذي يثق به سورنتينو عندما تعوزه الأجوبة ويتوق إلى تفكيك المرويات. سيرفيلو يصبح هذا الرئيس، هكذا بكل المعاني المباشرة وغيرها؛ “يكون” بالمعنى التمثيلي التقليدي ذاك الرئيس. لا خُطب رنّانة بروتوكولية، ولا انفجارات انفعالية حتى حين تفسح مساحة الدراما ذلك، بل مجرّد جسد متعب، ملول. نظرات تقول الكثير كما لو أنها معجم لغة. صوت منخفض يخشى أن ينزع الجلال عن موات لحظة النهاية، أو بالأحرى لحظة الختام وإسدال الستارة عن مسرحية عمره، التي أدّى فيها دور الرجل الأقوى، الرجل العارف.ما الذي يريده سورنتينو من فيلمه؟تُنتَج الأفلام لأسباب لا تُحصى. ما يمكن إحصاؤه أو تبيّنه بوضوح هنا أن الفيلم لم يُنتَج كعمل سياسي، بل اختار السياسة كقماشة ملائمة لنقش حيرته تجاه المسؤولية. ما فعله سورنتينو، بهدوء محسوب، هو تفكيك ما يبدو بسيطًا واعتياديًا في حياة رجال السلطة والنفوذ: فكرة اتخاذ القرار نفسها. في معظم أفلام السلطة، يشكّل اتخاذ القرار ذروة الدراما: نذهب إلى الحرب، نقضي على الخصوم، نفتح السجون للمعتقلين أو نكدّس المزيد منهم. يشكّل اتخاذ القرار في الفيلم اللحظة التي يتكثّف فيها المعنى، متحوّلًا إلى عبء يُلقى على فرد لم يعد يملك من السلطة إلا اسمه الذي يزيّن أسفل الورقة الحكومية.ينجح سورنتينو في نزع هذه الهالة عن جسد وصورة الرئيس. وبموازاة ذلك، يترك لتفاصيل حياته أن تنسرب دون إقحام: زواجه المهدَّم بفعل ذكرى خيانة عالقة فوق رأسه وروحه، وإيمانه الكاثوليكي. إحساسه المتأخّر بالخسارة يحضر كتشويش مستمر بين الشخصي والرسمي، بين ما يشعر به وما يُفترض أن يتوقّعه مما تبقّى من حياته. ما تسعى إليه الحكاية في “النعمة”، وبنجاح، هو نزع البطولة عن المنصب المهيب، في معارضة لما اصطلحت على فعله المرويات وأقاصيص التاريخ: تحويل الرئيس الفرد إلى رمز، واقتناصه في لحظات مجيدة، كي يتحوّل كل ما قاله أو فعله إلى فكرة كبرى تُزرع في رحم الوجدان الجمعي للبلاد التي صار يحكمها. قد آن للبلاد أن ترمي بالجسد وتُبقي الحكاية، حيث يمرّ البشر ويتحوّلون إلى عظماء، ولا يتبقّى منهم سوى اسم على جدار.# من صفحة المخرجة والكاتبة السورية عبير داغر اسبر# مجلة ايليت فوتو ارت.


