في قلب الصحراء الكبرى، تحت رمال ليبيا الحارقة، اكتشف الجيولوجيون في الخمسينيات ما يسمى بـ المحيط النوبي العظيم؛ مخزون مياه جوفية يعود لعصور ما قبل التاريخ.
وبينما كان الغرب يخطط للسيطرة على النفط، كان هناك حلم ليبي يُطبخ على نار هادئة حتى لا يظل رهينة عائدات النفط فقط .
هذا المشروع هو “النهر الصناعي العظيم”.
وقد كانت المعجزة التي أرعبت “كارتيلات” الغرب..
في عام1984، بدأ العمل في أضخم مشروع لنقل المياه في العالم.
لم يكن مجرد أنابيب، بل كان نهر جحيم هندسي بالنسبة للغرب..
الأرقام كانت مرعبة حقاً ،شبكة أنابيب عملاقة بطول 4000 كيلومتر، وقُطر أنبوب يكفي لمرور شاحنة ضخمة.
المشروع كان يهدف لزراعة 155 ألف هكتار، مما يعني اكتفاءً ذاتياً كاملاً لليبيا ولجيرانها، وكسر هيمنة الشركات الغربية على الغذاء .
التكلفة كانت مستقلة تماماً،ليبيا أنفقت 25 مليار دولار من أموال نفطها الخاصة، دون اقتراض دولار واحد من البنك الدولي أو صندوق النقد، وهذا كان الخطيئة الكبرى في عرف النظام المالي العالمي.
حتى جاءت الضربة الغادرة وتم قصف شريان الحياة…
عندما اندلعت أحداث عام 2011، لم تكن طائرات الناتو تستهدف القواعد العسكرية فقط. في يوليو 2011، حدث ما لم تذكره التقارير الإخبارية الكبرى بدقة
قصف الناتو مصنع “البريقة” الذي ينتج الأنابيب الخرسانية العملاقة اللازمة لإصلاح وصيانة النهر.
والذريعة طبعاً جاهزة دائماً ،زعم الغرب أن المصنع يُستخدم كمخزن للسلاح، لكن الحقيقة كانت تدمير القدرة التقنية على استدامة المشروع.
تضررت محطات الكهرباء المغذية للمضخات العميقة، مما أدى لتوقف تدفق المياه عن مدن بأكملها، في عملية تعطيش استراتيجية لم تُحاكم عليها أي جهة دولية.
الحقيقة المرة التي لم يذكرها أحد ،لماذا دمروا النهر؟
الغرب لا يريد قارة أفريقية تملك ماءها واذا ملكته لا تمتلك غذاءها.
مشروع “النهر العظيم ” كان سيحول ليبيا إلى “سلة غذاء” لأفريقيا، ويجعل من المياه الجوفية عملة أقوى من الدولار.
بتدمير هذا النظام، أُجبرت المنطقة على العودة للاعتماد على المساعدات الدولية والشركات العابرة للقارات.
اليوم، يقف “النهر الصناعي العظيم” كشاهد على طموحٍ سُحق تحت أقدام المصالح الجيوسياسية.
لم يكن السقوط بسبب فشل هندسي أو خلل في الحسابات كما يروج البعض، بل بسبب نجاح حقيقي أرعب الذين يريدون للصحراء أن تبقى صحراء، وللجوع أن يبقى سلاحاً.
بينما كنا نتحدث عن تدمير “شرايين الأرض”، ما رأيكم في ملف يتحدث عن تدمير “شرايين العقول”؟
في عام 1938، وأثناء محاكمات ستالين المرعبة، نطق سجين يُدعى راكوفسكي باعترافات قلبت موازين التاريخ. تحدث عما أسماه “السمفونية الحمراء”؛ مؤامرة تدمج بين الرأسمالية المتوحشة والشيوعية الثورية في بوتقة واحدة، يديرها “أسياد الظل” الذين لا تشرق عليهم الشمس.
هل يعقل أن يكون “تمويل الثورات” و”انهيار البورصات” يُعزف بنوتة موسيقية واحدة من قِبل أشخاص لا يظهرون في كتب التاريخ؟
وهل كان الرفيق ستالين نفسه مجرد “عازف” في هذه الأوركسترا المظلمة؟
وصولك لنهاية هذا المقال المعقد يعني أنك من القراء النخبة الذين يبحثون عن الحقيقة لا ما تتناقله الأخبار. مجهود كبير بُذل في جمع الخيوط،فلا تبخل علينا بتفاعلك (إعجاب وتعليق) لنعرف إن كان هذا النوع من المحتوى يهمكم!


