اصطفاف مجرات تربطها خيوط كونية!كيف تتنظم مليارات المجرات في الكون؟ بينما توحي السماء الليلية بتشتت عشوائي، إلا أن هناك بنيةً هائلةً غير مرئية تُنظم توزيعها. تنبأت النماذج النظرية بهذه البنية، التي تربط عناقيد المجرات بخيوط طويلة، تُشبه شبكة عنكبوت كونية.في منطقة مجموعة الدب الأكبر المجرية، رصد علماء الفلك اصطفافًا خطيًا للمجرات يمتد لما يقارب أربعة ملايين سنة ضوئية. هذا الاكتشاف، الذي أصبح ممكنًا بفضل حساسية تلسكوب FAST الراديوي الصيني، نُشر في نسخة أولية على arXiv. وهو يُطابق خيطًا دقيقًا، أي نوعًا من المسارات الكونية التي تتجمع فيها المادة تحت التأثير المهيمن للمادة المظلمة، المكون غير المرئي للكون الذي لا نُدرك سوى تأثيراته الجاذبية.الصورة 1: في هذه الصورة، يربط الغاز المنتشر (من الأصفر إلى البنفسجي) الموجود داخل الخيط الكوني بين مجرتين، ويمتد لمسافة شاسعة تبلغ 3 ملايين سنة ضوئية.حقوق الصورة: دافيد تورنوتي/جامعة ميلانو-بيكوكا Davide Tornotti/Université de Milan-Bicoccaلا تُعدّ هذه الخيوط مجرد اصطفافات مرئية، بل هي بمثابة طرق سريعة كونية، تنقل الغاز بين النجوم الذي يُغذي تكوين النجوم والمجرات. تعمل المادة المظلمة، من خلال جاذبيتها، كمغناطيس عملاق داخل هذه التراكيب، جاذبةً المادة العادية ومُطلقةً بذلك ولادة المجرات. تُظهر هذه الملاحظة كيف يُوجّه الكون بنشاط تطوره واسع النطاق.يُمثّل اكتشاف هذه الخيوط الدقيقة تقدماً كبيراً في علم الفلك الرصدي. تُمكّننا أدوات مثل تلسكوب FAST الراديوي الآن من استكشاف مناطق في الكون حيث يكون الضوء خافتاً للغاية. من خلال دراسة الانبعاثات الراديوية للهيدروجين المتعادل، يستطيع الباحثون رسم خرائط لتوزيع وحركة المادة الغازية، كاشفين بذلك عن البنية الخفية لهذه البنى الخيطية.يُلقي هذا الاكتشاف الضوء على عمليات تكوين المجرات. إذ يبدو أن المجرات الواقعة على طول خيط مجري واحد تشترك في تاريخ مشترك، متأثرة بنفس البيئة الجاذبية. وبالتالي، يمكنها أن تتطور بشكل متزامن، وتنمو، أو حتى تندمج بمرور الوقت. يساعد فهم هذه الديناميكيات على إعادة بناء السيناريو الذي شكّل الكون منذ الانفجار العظيم وحتى بنيته الحالية الشبيهة بشبكة كونية.يستمر البحث لتحديد خيوط مجرية أخرى مماثلة وقياس خصائصها الفيزيائية بدقة أكبر.الصورة 2: أُجريت محاكاة لمنطقة شاسعة من الكون باستخدام حاسوب فائق، وهي تستند إلى النموذج القياسي لعلم الكونيات.حقوق الصورة: أليخاندرو بينيتيز-لامباي/MPA/جامعة ميلانو-بيكوكا Alejandro Benitez-Llambay/MPA/Université de Milan-Bicoccaالرصد الراديوي: الاستماع إلى هيدروجين الكونيعتمد اكتشاف الخيوط الخافتة غالبًا على علم الفلك الراديوي، وهي تقنية تلتقط الموجات الراديوية المنبعثة من الأجرام السماوية. وعلى عكس الضوء المرئي، تخترق هذه الموجات سحب الغبار بسهولة أكبر، ويمكنها الكشف عن مناطق باردة منتشرة، مثل خزانات هائلة من غاز الهيدروجين المتعادل.تُصدر ذرة الهيدروجين، وهي العنصر الأكثر وفرة في الكون، موجة راديوية محددة جدًا بطول موجي يبلغ 21 سنتيمترًا. وبتوجيه تلسكوب راديوي مثل FAST نحو منطقة معينة من السماء، يستطيع علماء الفلك رصد هذه الإشارة. وتشير شدتها وانزياحها نحو الأحمر إلى كمية الهيدروجين الموجودة ومسافتها عن الجسم.وبرسم خريطة لهذا الانبعاث على مساحات واسعة من السماء، يصبح من الممكن إعادة بناء التوزيع المكاني للغاز. تكشف اصطفافات وتركيزات الغازات عن وجود بنى خيطية، حتى لو كانت المجرات المرتبطة بها قليلة العدد أو خافتة. وبذلك، تُمكّننا هذه الطريقة من “رؤية” الهيكل الغازي للشبكة الكونية.تكمن ميزة هذا النهج في حساسيته للبيئات منخفضة الكثافة للغاية، حيث توجد أدق الخيوط. وهو يُكمّل عمليات الرصد في الضوء المرئي أو الأشعة السينية، الأكثر فعالية لدراسة التجمعات المجرية الكثيفة. وتُقدّم هذه التقنيات مجتمعةً رؤيةً أشمل لبنية الكون.# الفيزياء زالكون# مجلة ايليت فوتو ارت.


