المجال المغناطيسي للكوكب

كيف غير المجال المغناطيسي لكوكبنا نظرتنا وكيف يشكل واقعنا؟!

نحن نتعامل مع المجال المغناطيسي للأرض وكأنه حقيقة مستقرة لا تتغير: شمال ثابت وجنوب مقابل له. لكن هذا الإحساس بالثبات خداع بصري أكثر منه واقعًا فيزيائيًا. في أعماق الكوكب، داخل اللب الخارجي، يتحرك الحديد المنصهر في دوامات هائلة تولّد مجالًا مغناطيسيًا غير منتظم بطبيعته، يتغير ويضعف ويعيد ترتيب نفسه باستمرار.

التاريخ الجيولوجي يكشف أن أقطاب الأرض لم تكن وفيّة لاتجاه واحد، بل انقلبت مرات عديدة، كان آخرها قبل نحو 780 ألف سنة، ما يجعل وضعنا الحالي مجرد لحظة عابرة في مسار طويل من الاضطراب المغناطيسي الذي عاشته الأرض بصمت.

الطريقة التي توصّل بها العلماء إلى هذا الاكتشاف تبدو أقرب إلى قصة ذكية كتبتها الطبيعة بنفسها. عندما تبرد الحمم البركانية، تصطف جسيمات الحديد الدقيقة داخلها وفق اتجاه المجال المغناطيسي في تلك اللحظة، مثل إبر بوصلة صغيرة، ثم تتجمد في مكانها لآلاف أو ملايين السنين. لاحقًا، وعند دراسة هذه الصخور، لاحظ العلماء أن بعض هذه “الإبر المتحجرة” تشير إلى اتجاه معاكس للشمال الحالي.

لم يكن الأمر خطأ في القياس، بل دليلًا على أن المجال نفسه كان مقلوبًا. في قاع المحيطات تظهر هذه القصة بوضوح لافت على شكل شرائط مغناطيسية متناظرة: طبيعية ثم معكوسة ثم طبيعية من جديد، كأن قاع الأرض كان يسجل تقلبات قلبها المغناطيسي صفحة بعد صفحة، دون أن يشرح لنا لماذا يحدث ذلك.

اليوم، لم نعد أسرى قراءة آثار الماضي فقط، بل أصبحنا نراقب المجال المغناطيسي وهو يتغير أمام أعيننا. أقمار Swarm التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ترصد أدق التذبذبات لحظة بلحظة، والنتائج تشير إلى أن قوة المجال على سطح الأرض تراجعت بنحو 10% منذ بدايات القرن التاسع عشر. في الوقت نفسه، الشمال المغناطيسي لم يعد ثابتًا، بل يندفع بسرعة غير مألوفة نحو سيبيريا، بمعدل يتراوح بين 35 و45 كيلومترًا سنويًا، بعد أن قطع أكثر من 2200 كيلومتر منذ بدء القياسات الدقيقة.

تظهر كذلك مناطق ضعف في هذا الدرع غير المرئي، أبرزها شذوذ جنوب الأطلسي الذي يتسع ويتحرك ببطء، وكأنه ندبة مغناطيسية آخذة في النمو.

هذه الإشارات لا تعني بالضرورة أن انقلابًا وشيكًا على الأبواب، لكنها تحمل رسالة أكثر عمقًا وأقل طمأنينة: ما يحدث في باطن الأرض لا يزال لغزًا جزئيًا.

المجال المغناطيسي لا ينهار فجأة، بل يتفكك تدريجيًا ثم يعيد ترتيب نفسه على مهل، وكأن الكوكب يعيد اختبار توازنه الخاص. والنتيجة النهائية؟ قد لا نكون نحن من يشهدها، بل أجيال تعيش بعد آلاف السنين، بينما تواصل الأرض لعبتها البطيئة مع قواها الخفية.

#مجلة إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم