المترجمة السورية روز مخلوف ،عبر حوار معها ،تحكي عن تجربتها في الحياة والترجمة والمنافي والعودة الى الوطن.

روز مخلوف… مترجمة تبحث عن جمال العالم وسط ركام الحرب
حاورها تركي المصطفى
تعرفتُ إلى روز مخلوف في زمنٍ كان الكلام فيه عن الحرية يشبه المشي على حافة السطح: خطوة إلى الأمام تفتح أفقًا، وخطوة إلى الخلف تعيدك إلى غرفة مغلقة. كانت دمشق آنذاك مدينةً مزدحمة بالأسئلة، قليلةَ الإجابات، وفي إحدى زواياها الهادئة تسكن مترجمةً دمثة الملامح، حادّة البصيرة، تحاورك في الرواية كما تحاورك في أي قضية، وتنتقل من جملة لدوستويفسكي إلى هتاف في شارع عربي كأن المسافة بينهما لا تتعدى سطرًا.
على مدى زمن تمدّد هذا التعارف واتسع. تواصلنا طويلًا نتبادل الأفكار، ثم جاءت عتمة السنوات الأخيرة؛ تقطّعت السبل، وتفرّق الأصدقاء بين منفى وسجن وصمت قسري. انقطعت أخبار روز كما انقطعت أخبار كثيرين، إلى أن جمعنا سقف الوطن من جديد، لا بصفته جغرافيا ثابتة، بل كمساحة مشتركة من الذاكرة والإرادة. يومها كان لا بد أن تبدأ الحكاية من أولها: من بلدة صغيرة على الساحل، ومن طفلة لم تعرف قريتها إلا اسماً، ثم من مدينة كُتبت عليها أقدار أجيال بكاملها
هكذا جاء هذا الحوار: محاولة لقراءة سيرة مترجمة حملت النصوص من الفرنسية إلى العربية، وحملت معها أسئلة جيل كامل عن اللغة والعدالة والحرية.
روز: مسقط رأسي بلدة صغيرة في ريف بانياس، تدعى الكوكعي، لا أعرفها إلا بالاسم مع الأسف، لأن الوالد رُقي وظيفياً فذهب بنا باكراً إلى العاصمة، وأصبحنا عملياً دمشقيين، نفوس العائلة لا تزال في سجلات الصالحية.
نحن ننتمي إلى الطبقة المتوسطة ذات الدخل المحدود،
ــ كيف دخلتِ عالم الترجمة؟ هل كان اختياراً واعياً أم مصادفة، وما الذي جذبكِ للغة الفرنسية تحديداً؟
روز: لم يكن معدلي عالياً في البكالوريا، لكني حصلت على علامة ممتازة بالفرنسي. تتلمذت في المدارس الحكومية على يد مدرِّسات فرنسي قديرات، لا أنساهن في حياتي، الأولى كانت محجبة ومتقدمة قليلاً في السن وكنيتها المالح، كانت تشعل الصف بالتفاعل، ومدرِّسة كنيتها الحلو، كانت تنتظرنا أيام الامتحانات أمام باب المدرسة لكي تطمئن على امتحاناتنا. المدرِّس الجيد كنز حقيقي، وله تأثير كبير. هذا ما جعلني أعشق اللغة الفرنسية، وتمكنتُ منه في الكونغو(التي سميت لاحقاً زائير)، حيث عمل والدي مدرساً لبضع سنين في كلية التربية بمدينة كيسانغاني.
بعد التخرج من الجامعة عملت في القسم الثقافي لجريدة البعث، ثم سرحت منها إثر تقرير كتبه أحدهم بحقي. ورغم حزني لخسارة عملي، إلا أن هذا كان لصالحي لأن الترجمة للصحافة، والعمل في صحف رسمية عموماً، لا يحفز كثيراً على التطور.
ــ ما الذي دفعك لاختيار القرن الأول بعد بياتريس، لأمين معلوف، كأول عمل روائي تترجمينه؟
روز: في بلادنا، ليس المترجم هو من يتحكم بالخيارات، ببساطة لأنه في العموم لا يستطيع تحمل كلفة شراء الكتب الأجنبية المرتفعة الثمن قياساً إلى الدخل المادي. لذلك كان كتاب أمين معلوف، كأول كتاب عرض علي، فرصة ذات سحر قوي، وبداية محفزة جداً.
ــ كيف تنظرين إلى الترجمة؟ هل هي عملية إبداعية أم نقل حرفي للنص؟
روز: أي نقل حرفي للنص يعني نصاً بلا معنى. السبب هو فجوة الثقافات واختلاف دلالات الألفاظ والمصطلحات، والاستحالة اللغوية في نقل المجازات وأشكال التلاعب بالألفاظ، الأمر الذي يدفع المترجم، كتخريجة وحيدة، لإيجاد المعادِلات اللغوية الأنسب والأقرب إلى المعنى الأصلي.ا
سية. ـ بصفتكِ أمينة على النص، كيف توازنين بين أمانة النص الأصلي وجعله مقروءاً وجذاباً بالعربية؟
روز: تراكم الخبرة، بالقراءة وممارسة الترجمة، يوصلك إلى مستوى من المرونة تتمكن معه أن توائم بين معايير الإخلاص إلى النص الأصلي، وبين إنتاج نص موازٍ مناسب ومقروء.
ـ هل شعرتِ يوماً أثناء الترجمة بأنكِ أنتِ من تؤلف الرواية؟ وكيف يؤثر ذلك على علاقتكِ بالنص؟
روز: سؤال لطيف. بصراحة نعم، انتابني هذا الإحساس، وهو إحساس لا يترتب عليه أي تبعات، نابع من الإنجاز بحد ذاته، خاصةً بعد ما تلقيتُه من إشادات، قرأتُها أو قيلت لي مباشرةً من أشخاص مهمين، مثل الناقد الكبير المرحوم الأستاذ حسام الخطيب، أو الشاعر والمترجم المغربي عبد اللطيف اللعبي بخصوص ترجمتي لكتابه شاعر يمر، وشهادات من ممدوح عزام ومن المخرج السينمائي الفقيد نبيل المالح، ومن الشاعر المرحوم حسان عزت، ومن كاتب القصة المرحوم وليد معماري. في الوقت نفسه هذا لا يقلل أبداً من الإحساس بالمسؤولية والحرص على إنتاج ترجمة لائقة، بل على العكس تماماً.
ـ ترجمتِ ما يقارب الخمسين عنواناً، كيف تصفين هذه الرحلة؟ وما هي أبرز المحطات أو الكتب التي شكلت منعطفاً في مسيرتكِ؟ · ذكرتِ أن “الخلود” لميلان كونديرا من الأعمال المهمة، ما التحديات الخاصة التي واجهتكِ في ترجمة أعماله؟
روز: كانت رحلة شيقة وغنية، كل كتاب ترجمته هو أفق مختلف ومعرفة إضافية، وخبرة لغوية، بالاتجاهين، في مسار تخللته صعاب على مستويات شتى.
خصوصية كل تجربة في الترجمة تأتي من خصوصية الكتاب نفسه. مع ميلان كونديرا أنت أمام فضاء أقرب إلى الفلسفة، فضاء مركب للغاية وحر للغاية، ينسف أو على الأقل يشكك باليقينيات والثوابت سواء كانت أيديولوجية أو سياسية أو حتى أدبية. لن ترَ عنده ذلك السرد التقليدي للحكايات ولا أبعاده التشويقية والعاطفية. ربما هذا ما أشعرني بالتهيب للوهلة الأولى. ولكن معايير العمل لا تتغير طالما أنك تؤمن بأنك تحمل على عاتقك مسؤولية بحجم تعريف شعب على ثقافة شعب آخر، وطريقة تفكيره المختلفة.
ــ في ترجماتك لأدباء مثل أمين معلوف والطاهر بن جلون، ما أصعب لحظة شعرت فيها أن عليك مفاوضة المؤلف على جمل او مشهد كي يصبح عربيا من دون أن يفقد روحه؟
روز: ما أشرتَ إليه هو تحدٍّ ينسحب عموماً على عمل الترجمة ككل. كيف ننقل نصاً من لغة إلى لغة أخرى، دون أن يفقد هذا النص روحه الأصلية. أنا أتعامل مع الكتاب الذي أترجمه باحترام، حتى إذا لم أغرم به. هذا الاحترام لا بد أن يظهر في النتيجة النهائية.
الأصعب مع أمين معلوف هو الزمن المركَّب والمشيد بعناية لا تترك لك حاجة إلى التفاوض.
الأمر مختلف تماماً مع بن جلون، واجهتُ هنا مشاهد صادمة لم أجد لها أهمية عظيمة سوى الرغبة بإبهار جمهورٍ بعينه.
كيف أثرت التحولات السياسية في سوريا منذ عام 2011 وحتى اليوم على خياراتك في الترجمة وعلى علاقتك بالنصوص التي تتناول قضايا الهوية والمنفى والعدالة؟
روز: كما سبق أن قلت، دار النشر هي من تختار العناوين خاصةً بعد سريان قانون حقوق المؤلف، على هذه الصناعة. لا يستطيع المترجم السوري أن يدفع ما يسمى بالـ droits d’auteur لكاتب أو لناشر. حتى أن دور النشر السورية نفسها أفلست تقريباً.
لا شك أننا كسوريين نشعر جميعاً بحاجة إلى ما يعيدنا إلى أنفسنا، إلى استعادة هويتنا الحضارية التي عرفنا بها في العالم واعتدنا أن نتباهى بها.
ــ كيف تنظرين اليوم، وأنتِ مترجمة «الحرب القذرة»، إلى ما كُشف هناك عن آليات التعذيب والتصفية والتلاعب بالحقيقة، حين تقارنينه بالتجربة السورية: هل شعرتِ أن الكتاب يصف، بصورة أو بأخرى، ما عايشه السوريون أيضاً، أم أن لكل بلد «حربه القذرة» الخاصة التي لا يجوز إسقاط تجربةٍ عليها بالكامل؟
روز: لا شك أن هناك أشياء كثيرة مشتركة في المحنتين، من فظائع الانتهاكات وأهوالها. الحروب قذرة أينما وقعت، ولا توجد حروب نظيفة، لأنها لا بد أن تخلف ضحايا لا ذنب لهم. يبقى أن الشيء الأكيد هو أن العشرية الدامية كانت ماثلة أمامنا، لكننا لم نتعلم منها الكثير لكي نوفر على بلادنا الدماء التي سالت والأرواح التي زهقت.
ــ لو طُلب منكِ أن تختاري نصًا واحدًا، تقولين إنه خلاصة علاقتك بالترجمة، أي كتاب سيكون ولماذا: بسبب أسلوبه، أم بسبب أثره الشخصي عليكِ، أم بسبب تفاعُل القرّاء معه؟
روز: سأختار على الفور رواية: (عينا مونا) لـ توماس شليسِّير. لأنها حملت رسالة عظيمة هي رسالة الجمال الذي يتجسد في الفن، ولأن هذه الرسالة مرت من خلال قصة مؤثرة لطفلة في العاشرة تصاب بحالات عمىً عابرة، يُخشى أن تصبح دائمة، الأمر الذي يدفع جدَّها عاشق الفن، إلى اصطحابها إلى المتاحف وتعريفها على الأعمال الفنية، بطريقة مبتكرة، لكي يتجمع في ذاكرتها زاد من الجمال يسند روحها في حال فقدت بصرها كلياً.
ــ ماذا عن عملك في مديرية التأليف والترجمة، وما هو أثر تلك الفترة في الحياة الثقافية للبلاد، وما هو تأثيرها على عملك كمترجمة؟
روز: تكونت لجنة القراءة في مديرية التأليف والترجمة، من روائي وشاعر وباحث، وعدة مترجمين من ثلاث لغات، بإدارة الأستاذ أنطون مقدسي. كنا نقوم بقراءة مخطوطات تقدم بها أصحابها إلى المديرية، بهدف نشرها ضمن مطبوعات وزارة الثقافة. وبهذا المعنى كانت وزارة الثقافة بمثابة دار نشر كبيرة، غير ربحية، نشرت الكثير من أمهات الكتب، وتبنت عدداً من كتاب القصة والشعراء الشباب.
أعتقد أن مطبوعات الوزارة أسهمت إلى حد لا بأس به في نشر الثقافة عن طريق المراكز الثقافية المنتشرة في المحافظات.
من ناحيتي، تعلمت الكثير في عملي مع أسماء مرموقة مثل المقدسي، وأنطون حمصي، وخليل الرز، وصالح علماني، ونزيه أبو عفش، ومحمد كامل الخطيب، وعرفتُ من قراءة مخطوطات لمترجمين كبار، ما يجب أن نتجنبه، وما يجب الأخذ به.

#سوريات_souriat#محلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم