مراجعة رواية (المئذنة البيضاء)المئذنة البيضاء – يعرب العيسى – منشورات المتوسط – ميلانو 2021نسخة معاصرة من رائعة إحسان عبد القدوس (شيء في صدري)…….ولكن.. مرة أخرى، رواية تمثل (مذكرات شيطان بشري، صعد من السفح إلى القمة بكل الوسائل)، يمكن اعتبارها طبعة معاصرة من رائعة إحسان عبد القدوس (شيء في صدري)…….ولكنها بطريقة حديثة أكثر تعقيدًا وفذلكةً وغموضًا وادعاءً، وترصد أحدث صيحات الفساد العالمية التي يتبناها ويقارفها هذا الشيطان، لكنه هذه المرة شيطان تائب جزئيًا في النهاية !، ومنفق في أوجه الخير في شيخوخته.مع الرواية تدور أحداث الرواية حول شاب سوري فقير اسمه (غريب الحصو) كان يَدرُس في الجامعة في دمشق، ومفتونًا بالباب الشرقي للمدينة ومئذنته البيضاء الصغيرة التي يقال إن المسيح سيهبط عندها في نهاية الزمان، ولما عضه الجوع والتشرد غادرها نحو لبنان عام 1984 في وقت الحرب الأهلية اللبنانية. ينتقل غريب بين أعمال متواضعة في بيروت المثخنة بالحرب حتى يصل إلى فندق لا يمسه الحرب !!، فهو فندق المُتْعَة، والماخور الذي يتهادن عنده وحوله كل المتحاربين !!، يبدأ رحلته في كنف القواد الذي يدير هذا الفندق، ويكتسب ثقته شيئًا فشيئًا حتى يصبح موضع سره وذراعه الأيمن، ولا يبخل عليه سيده بالمتع والملذات، فيذوق منها تحت اسمه الجديد (مايك الشرقي). وفي ليلة حمراء داخل الفندق يموت رئيسه تحت تأثير متع لم يتحملها قلبه، فيسطو مايك على جل ثرواته بضربة واحدة، ويترك في الخزائن بعض الأموال لخداع الورثة الذين يمتدحون أمانته !، ويومها بدأت إمبراطورية مايك، التي توسعت من لبنان إلى قبرص إلى دبي الصاعدة، وإلى غيرها، وامتدت أملاكه في القارات المختلفة، واستطاع الاستفادة من كل المنعطفات السياسية والمصائب التي حلت بالعالم العربي في تلك الفترة، من الصراع البعثي العراقي السوري في لبنان، وحرب العماد ميشيل عون ضد سوريا مدعومًا من العراق، إلى اتفاق الطائف، إلى غزو الكويت، وإلى حرب الخليج الثانية، ثم حرب الخليج الثالثة واحتلال العراق، ثم اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ثم الربيع العربي، وفي كل تلك الأزمات يجد مايك الفرص التي يجيد استغلالها ليوسع إمبراطوريته التي تمنحه الثروة والنفوذ. وفي كل تلك المنعطفات تستعرض الرواية بالتفصيل الطرق والحيل التي يستخدمها، والتي شملت جميع الوسائل وعلى رأسها الإباحية الجنسية، وجميع أنواع التجارة المشروعة وغير المشروعة، شاملةً المخدرات والسلاح والاتجار بالبشر، وغسيل الأموال، والرشوة، وإنشاء الشركات الوهمية، وغيرها. ثم في القسم الثاني من الرواية يقرر مايك العودة إلى الحب الأول، والحنين المقيم، حيث منطقة الباب الشرقي، ويبدأ في نقل استثماراته وجانبًا كبيرًا من إمبراطوريته إليها، ليحاول صنع مملكة خاصة به في طرف دمشق في مواجهة المئذنة البيضاء، تحت فكرة غائمة تسيطر عليه أن في هذا تحضير لمجئ المسيح !. وهكذا كان مايك في القسم الأول من الرواية شيطانًا خالصًا تكتنفه سحب غموض بسيطة، كان إلى حد ما يمثل الطبعة الحديثة من (حسين باشا شاكر) في رواية إحسان عبد القدوس (شيء في صدري)، الذي صعد من القاع إلى القمة باستخدام كل الوسائل واستباحة كل شيء، لكنه في الجزء الثاني يغيب في سحب الغموض، ويتأرجح بين الشيطان والولي !!، ففي سعيه مثلًا إلى إخلاء الرقعة التي في مواجهة المئذنة البيضاء يستخدم كل الوسائل وصولًا إلى اختلاق جبهة في الحرب الأهلية السورية واستدعاء جيش بشار لدك المنطقة على رؤوس أهلها لإخلائها !!، راشيًا في ذلك قيادات كبيرة، وهو مع ذلك ينفق الملايين على الفقراء والمحتاجين وأعمال الخير !، ويزور أضرحة الأولياء !، ويحلم بإنشاء جامعة بالمعايير العالمية، وأبراج تضارع أبراج دبي، وجامع عظيم وكنيسة. وهكذا يغوص البطل في الغموض، وتنتهي الرواية دون أن نستطيع تخيل البطل في هذا الجزء الثاني، حيث تتغير دوافعه وتتأرجح بلا نهاية.مع الحبكة الخلفية الصحفية للكاتب مكنته من أن يحول الرواية إلى منجمٍ حكائيّ، تتمحور مسارات القصّ فيه حول ثالوث المفضل صحفيًا “الدين، الجنس، السياسة”، وقد بدا الكاتب وكأنه وضع كل مخزونه المعرفي في روايته الأولى، فاشتملت الشخصيات والأحداث على جوانب متعدّدة الحضور: إيروتيكي، براجماتيّ وصوليّ، ثقافيّ مؤدلج، سياسيّ، دينيّ، شعبي شفاهيّ، ماضويّ، صوفي، عسكريّ مخابراتيّ، علميّ أكاديميّ. وتعددت الشخصيات المتضادة، الأستاذ والأب الروحي الشيخ قسّام مهندس المجون والمتعيّة الغرائزيّة في بيروت، عايدة الراهبة المنذورة للربّ والزوجة التي لم تمس !، طلعت الغراوي المصري سمسار الإنشاءات العقارية في دبيّ، الاسكتلندي ساكس مدير شركة تصنيع وصيانة السفن، بيان ملحم الشيوعي السوري الذي سقط من حسابات منظمة التحرير الفلسطينيّة ليتحول إلى النسخة الحداثيّة لسياحة المتعة في قبرص، سلمى المختصّة في التراث الفلسطيني وأزيائه، صبر نموم الفنان التشكيلي ضحيّة مافيا المؤسسات، الشيخ البقيعي الداعية ومدير مركز حراء للدراسات الإسلاميّة، عبلة نار الدين الأكاديمية في الفلسفة والعلوم الإنسانيّة وزميلة الجامعة السابقة المبهرة، فايز عاج الروائي الدمشقيّ البحّاثة مع رواياته الأربع.[ يحسب للكاتب جرأته على نشر تلك الرواية بينما هو مقيم في دمشق، فبعض فقراتها وجملها تمثل إدانات لنظام بشار ].الغموض بلا عمق حقيقي احتشدت الرواية بالإشارات التي صنعت غموضًا غير إيجابي، فالإشارات إلى جيفارا وفيروز والمتنبي وأفلاطون وأرسطو وتوماس جيفرسون لا يبدو أنها انخراط فكري أصيل، بل أقرب إلى محاولة للاستعراض المعرفي، وحمل التدفق السردي الكثير من الغموض والتعقيد الذي لا يخدم أي شيء جوهري، وانخرطت شخصياته في مناقشات سفسطائية مطولة حول الدين والفلسفة والسياسة، تبدو عميقة فقط لمن لم يتعمقوا في تلك الموضوعات، والنتيجة هي نوع من الثرثرة شبه الفكرية تتعارض – في رأيي – مع العمل الروائي وتثقل عليه دون مبرر، وسيبدو المؤلف نفسه – للقارئ المدقق – في النهاية مرتبكًا بشأن ما يرغب في قوله. بالإضافة إلى ذلك هناك الكثير من الإسهاب في سرد القصص والتفاصيل عن ارتقاء مايك الشرقي من قعر العالم إلى سدته، حيث كانت هناك تفاصيل كثيرة وقصص لم يكن لها داعي، نستطيع القول إن نصف حجم الرواية كان يمكن حذفه دون أن يؤثر في البناء الروائي، كانت مجرد حشو أثقلت على العمل. كذلك كان هناك بعض المبالغة في الكيفية التي رسم بها الكاتب شخصية مايك الشرقي، صحيح أن هناك كثيرًا من الفاسدين الذين وصلوا مراكز عليا في كثير من دول العالم، لكن الطريقة التي صورها الكاتب كان مبالغ فيها إلى حد كبير، كما صور الكاتب لبنان وكأنه البؤرة الحاضنة لكل مشاريع الفساد في العالم، فالفساد مستشرٍ أينما وُجد الإنسان. صحيح أنه ذكر دول أخرى كانت واجهة للفساد، لكن تركيزه على لبنان كان مجحفًا وغير منصف. وكان هناك بعض التجديف الديني والجمل غير اللائقة، والكثير من الأباطيل الدينية، ونسج أساطير خيالية وفرضيات غريبة.لغة السرد استخدم الكاتب تقنية (الراوي العليم) في السرد، واستخدم لغة عربية فصحى تخللتها بعض العبارات العامية المتنوعة بحكم تنوع الأشخاص. وكانت في مجملها لغة صحفية تقريرية ربما لأن الكاتب صحفي أولًا، وهذا هو عمله الروائي الأول، ومع ذلك فعندما أراد أن يخرج من أسر اللغة التقريرية إلى لغة أكثر بلاغة سقط في فخ استخدام مفردات وتركيبات جمل معقدة بشكل مفرط لا يخدم التوضيح بل الغموض، فعندما يصف شيئًا بسيطًا مثل مبنى بأنه “سفينة معدنية تتأرجح” !، أو عندما يقول ” قفزت عبلة من السيارة كخيول المتنبي اللواتي “ما لهنّ قوائم” !، ثم حين وطئت الحجارة القديمة في ميدان “آغورا” تحولت واحدةً من نساء الأعشى ميمون الغرّاوات الفرعاوات اللواتي يمررن كالسحاب ويمشين الهوينى “لا ريثٌ ولا عجل ” !، ألا يشي هذا بالتكلف البالغ والاستعراض المعرفي دون إمتاع حقيقي للقارئ !. أما عن الوصف فيُعْنَى الكاتب كثيرًا بوصف التفاصيل الصغيرة في الملابس والأماكن والمشروعات والترتيبات. لمحات في صفحات:- ص 30: متع الشيخ القسام.- ص 30: فندق المُتَع لا تطاله الحرب.- ص 40: منحة علوم القوادة !.- ص 41: الدعارة الاحترافية !.- ص 57: فساد لبنان حتى أثناء الحرب.- ص 59: اتفاق الطائف.- ص 62: كيف سرق (مايك) سيده العزيز فور وفاته.- ص 63: الكاتب يقول أن (مايك) طرد كل من رآه ذليلًا (لكن هذا لم ينطبق على (غصون) التي رأته ذليلًا، ولم يبرر الكاتب هذا التناقض).- ص 67: تطوير نمط الدعارة.- ص 68: دعارة الفقراء ودعارة الأغنياء.- ص 69: العراق يدعم قائد الجيش اللبناني العماد ميشيل عون.- ص 70: عقدة التعويض الجنسي للنقص الحضاري، البدوي المهزوم حين يعتلي فتاة رومية يحس أنه انتصر على القيصر !.- ص 76: سيطر على التسجيلات، ألم يكن يخاف أن يتخلصوا منه ؟!.- ص 80: الإغراء بأفكار الدعارة الجديدة، مثل الأم وإبنتها في فراش واحد !!…وألعاب أخرى.- ص 83: غزو الكويت، وزيارة عنجر (مقر المخابرات العسكرية السورية في لبنان) قبل أي شيء !!.- ص 88: استفادة هائلة من الهاربين الأغنياء من وجه الغزو العراقي للكويت.- ص 91: ما كان لذكي مثل مايك أن تكون مصروفاته بالدولارات والدخل المقدم إليه بالدنانير الكويتية والعراقية (وص 92).- ص 120: هل رشا المحققين الدوليين ؟!.- ص 123: شيطان ويتزوج ملاك بتول ويتعاهدا ألا يمسها !.- ص 129: غصون تفاخر بأنها (ضاجعت مائة ألف رجل وعشرة نساء) !.- ص 132: غش الخمر لضيوفه !.- ص 137: عرض راقص من شارع بيجال.- ص 137: طلعت الغزاوي المصري غير قابل للإختراق حتى الآن.- ص 139: وسقط طلعت سريعًا في الإغواء ! (دبي بجلالة قدرها لم تستطع إغواءه لتسع سنوات ومايك استطاع في أيام، كأنه يتعامل مع قروي ساذج جاء لتوه للمدينة !!).- ص 176: طلعت أصبح قوادًا !!.- ص 178: نماذج للتلاعبات.- ص 181: مطبعة الدولار الأصلية التي أرسلتها الحكومة لطبع الدولارات لأمراء الحرب.- ص 188: الحرية المطلقة والإباحية الجنسية والسياسية الكاملة على السفينة (رفقة).- ص 190: نقطة الطهارة المزعومة في مستنقع سفينة الإباحية.- ص 191: صلاة السفينة (أوفر جدًا).- ص 192: السياسية الفرنسية العجوز من زبائن السفينة التي تتخذها لتقضي ليلها بين أحضان الشباب.- ص 191 – 194: إرضاء كل الشهوات.- ص 200: الفندق اللبناني كمقر للوساطات المشبوهة تدر عليه أرباحًا أكثر من زبائنه.- ص 201: مهارات التفاوض القذرة.- ص 207: المواصفات الجسدية للفتاة المثالية.- ص 214: ضاجع أخته دون أن يعلم.- ص 219: سقوط بغداد وفوائده للفاسدين.- ص 223: احتياجات السيطرة على الناس.- ص 224: الأموال غير المرصودة.- ص 229: ابنته بالتبني (رفقة) تعريه أمام نفسه.- ص 266: أسباب الفشل الثلاثة.- ص 284: فقرة تزلف لبشار.- ص 285: الإختراقات الداخلية وهزة تصيب إمبراطوريته (و286).- ص 287: ذكريات فقدان براءته.- ص 296 – 300: سفسطة دينية أغلبها لغو.- ص 320: صناعة الرموز.- ص 320: الاستهانة بالأديان.- ص 322 – 326: حوار سفسطائي استغرق أربع صفحات (تكرر هذا كثيرًا طوال الرواية).- ص 328: طرق تطويع الناس.- ص 329 – 330: اصطناع معركة وهمية في الحرب الأهلية السورية لتدمير حي سكني.- ص 357: تدابير شيطانية عجيبة.- ص 360: مايك الشرقي ارتدى الماسك الصيني.- ص 366 – 372: اغراق في التفاصيل.- ص 389 – 392: سفسطائيات.- ص 394: بدأ مايك ينفق أمواله في الخير.- ص 404: مصرع والدته البشع في حادث قبل سنوات، وقت أن دبرت مكيدة أن يعاشر أخته.- ص 414: بدون تمهيد كافي، مايك الشيطان يتحول في الرواية إلى ولي صوفي !.- ص 417: يحاولون الحجر عليه بعد عامين كاملين !.- ص 420 – 423: مشهد سريالي بين جحافل الفقراء الذين سيوزع عليهم ثروته، وبين جحافل المنتفعين الذين يريدون الحيلولة دون ذلك، فألتقى الجمعان عند المأذنة البيضاء.- المباشرة الفجة:ص 57، 63، 69، 76، 80، 83، 137، 178، 188، 190، 191 – 194، 219، 223، 224، 266، 296-300، 320، 322-326، 328، 357، 414.- التقييم الختامي: 2/5 رواية كُتِبَتْ بطموحات (بوكرية)، داعب فيها الكاتب الجائزة بما تحبه: خليط من الإباحية، والفساد الفج، والتطاول الديني، مع مزيج صوفي وسفسطائيات سياسية وفكرية. فلم لا؟ ألم تفز (ترمي بشرر) بجائزة البوكر عام 2010، والعديد من الروايات الأخرى كذلك، فلم لا تفوز (المئذنة البيضاء) أيضًا ؟!، وقد وصلت بالفعل إلى القائمة الطويلة عام 2022، لولا أن روايات أخرى في عامها قدّمت تنازلات أكثر !. (فازت بالجائزة في ذلك العام رواية (خبز على طاولة الخال ميلاد) التي قدّمت تنازلات أكثر بكثير، منها: التطاول على الذات الإلهية، وتسفيه الفرائض الدينية، والوصف الجنسي الصريح، واستخدام لغة بذيئة، والانتصار للنسوية وإظهار المظلومية النسائية، وتبشيع واستنكار السيطرة الذكورية على الأسرة، ومحاولة كسر الأدوار المعروفة بين الجنسين خاصة على مستوى مؤسسة الأسرة، والتعرض لمشاكل اضطراب الهوية الجندرية، والاحتفاء بالأقليات الدينية خاصة اليهود وإظهارهم في أفضل صورة، وتبييض وجه العهد الاستعماري الغربي وإظهار إيجابياته مهما كانت هامشية والصمت عما دون ذلك، والاحتفاء بنمط الحياة الغربي والتحسر على أيام الزمن الحالم حيث التنانير القصيرة، والانتقاص من نمط الحياة الإسلامي الشرقي حيث تتأفف النساء من الحجاب، والتعاطف مع العاهرات… كل هذا في رواية واحدة).ففازت تلك الرواية وخسرت روايتنا !، خسرت البوكر، وخسرت أيضًا أن تكون أفضل شأنًا.
#يحيى عمر#مجلة ايليت فوتو ارت.


