الكاميرا .. عين لا تنام ولا ترحم

كتبت : دارين محمود

في زمنٍ كان الظلامُ فيه ملاذاً للأسرار، وغطاءً للخطايا، كانت الحقيقة دفينةً لا تُستخرج إلا بشق الأنفس. أما اليوم، فقد أصبحت السماء تمطر عيوناً، والحجارة تبصر، والهواء يحمل في ذراته شهوداً لا يُختبرون ولا يُردّون. إنها الكاميرا: تلك الآلة الصغيرة التي استطاعت في عقود قليلة أن تفعل ما عجز عنه آلاف القضاة والمحققين على مر التاريخ.

حين تصبح العدسة “قاضياً”..!

للكاميرا سطوة غريبة؛ فهي ترى حيث لا نرى، وتذكر حيث ننسى، وتثبت حيث نتلكأ. كم من متهم بريء أنقذته لقطات لا تتجاوز الثواني من حبل المشنقة؟ وكم من جبار طغى في غياب الشهود، فإذا به يكتشف أن الجدار كان يراه، والشارع كان يحفظه، والمارة كانوا عيوناً صامتة؟!

في عصر “الفيديووقراطية”، صار كل منا قاضياً محتملاً، يحمل في جيبه محكمة متنقلة. نعم، لقد تحولت الكاميرا إلى سيف العدالة الذي يقطع أيدي الفساد، وإلى مصباح ينير زوايا المجتمع المعتمة. هي من كشفت دموع الجوعى في المجاعات، وفضحت صمت الأقوياء أمام صراخ الضعفاء، وأرخت ستاراً من الضوء على تفاصيل كنا نعيشها ولا نبصرها.

لكن.. هل تحكي الكاميرا الحقيقة كاملة؟!

هنا مكمن الوجع. فالكاميرا التي فضحت المستور، قد تخوننا حين نكون في أمس الحاجة إليها. هي ترى، لكنها لا تفهم. تلتقط اللحظة، لكنها لا تدرك السياق. قد تصورك في لحظة غضب عابرة فتجعل منك وحشاً، وتصور غيرك في لحظة تصنع فتجعل منه بطلاً.

والأخطر أن هذه العين التي لا تنام، صارت أحياناً عيناً لا ترحم. لقد تحولت حياتنا إلى مسرح مكشوف، لا ستائر فيه ولا خصوصية. كل خطوة نحسبها، وكل كلمة نهمس بها، قد تكون في قبضة عدسة تتربص، أو هاتف يترصد. لقد صرنا نعيش في “سجن كبير” جدرانه من زجاج، والكل يرانا، والقليل من يشعر بنا.

بين “الإنصاف” و”الفضيحة”..!

هذا هو السؤال الأبدي: أتصور الكاميرا لتنصفني أم لتفضحني؟!

إنها سلاح ذو حدين، يقطر تارةً ندى الرحمة، وتارةً سمَّ القسوة. بلمسة زر، يمكن للكاميرا أن تصنع من المهمش بطلاً، ومن البطل مجرماً. بضغطة زر، يمكنها أن تخلد جميلاً، أو تخلق فضيحة تمحى معها سنوات من العمر والكرامة.

إنها “القاضي والمحامي والجلاد” في آن واحد، لكنها تفتقر إلى أهم ما يملكه الإنسان: الروح. الكاميرا ترى الجسد، لكنها لا ترى الوجع. ترى الدمعة، لكنها لا ترى ما خلفها من حكاية. ترى الصورة، لكنها تعجز عن إدراك المعنى.

حين تصمت الكاميرا.. ويبقى الضمير

إذا كانت الكاميرا هي لسان حال العصر، فليكن ضميرنا هو المترجم. إذا كانت عيناً لا تنام، فلنجعل الإنسانية هي قلبها النابض. لأن الحقيقة يا سادة ليست في “ما تراه العدسة”، بل في “كيف نفهم ما رأت”.

قديماً كنا نبحث عن الحقيقة خلف الأبواب المغلقة، واليوم نبحث عنها أمام الكاميرات المفتوحة. لكن المشكلة أن الحقيقة كالضوء: إذا زاد عن حده، أعمى البصر قبل أن يبصر.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم