قليلا من الفلسفة… الرجل الذي سأل السؤال الأصعب في تاريخ الفلسفة.. لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟؟ .. “مدخل إلى الميتافيزيقا” لمارتن هايدغر● البداية: سؤال يبدو ساذجاً ويُقلب الفلسفة كلهالماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟هذا هو السؤال الذي يفتتح به هايدغر كتابه “مدخل إلى الميتافيزيقا.”وحين تقرأه لأول مرة ربما تُفكّر: هذا سؤال طفل. سؤال من يسأله الأطفال حين يبدؤون يُدركون الوجود.لكن انتظر. اجلس مع السؤال لحظة أطول.لماذا يوجد الكون؟ لماذا يوجد أي شيء أصلاً؟ لماذا لا يكون هناك لا شيء؟ لا كون، لا ذرات، لا طاقة، لا فضاء، لا زمن. لا شيء على الإطلاق.هل العدم المطلق ممكن؟ وإذا كان ممكناً، فما الذي جعل الوجود يوجد عوضاً عن العدم؟هذا السؤال البسيط في صياغته يحمل في داخله هاوية لا قرار لها. وهايدغر يقول إن هذا هو السؤال الجذري الأول للميتافيزيقا. وإن كل الفلسفة الغربية منذ اليونانيين حتى اليوم إما حاولت الإجابة عنه وأخطأت أو تجنّبته خوفاً من دوّامته.● الرجل قبل الكتاب: فيلسوف من كنيسة صغيرة إلى أكبر أسئلة الوجودوُلد مارتن هايدغر عام 1889 في ميسكيرش، بلدة صغيرة في جنوب ألمانيا. أب كاثوليكي متديّن كان يعمل “قندلفت الكنيسة” أي المسؤول عن إدارة الكنيسة وصيانتها، وهو منصب ديني خدمي. حياة هادئة في بيئة دينية محافظة.لكن هايدغر الشاب أظهر فضولاً فكرياً غير عادي. التحق بمدرسة يسوعية ثم بجامعة فرايبورغ لدراسة اللاهوت. كان يُعدّ لحياة كهنوتية. ثم انقلب على هذا المسار وتحوّل إلى دراسة الفلسفة.تأثر بأستاذه إدموند هوسرل، مؤسس “الظاهراتية”، وهي مدرسة تُريد أن تدرس الظواهر كما تظهر للوعي مباشرةً دون افتراضات مسبقة. وعلى يد هوسرل تعلّم هايدغر كيف يُفكّر في التجربة المباشرة للوجود.في عام 1927 نشر “الوجود والزمان”، أحد أكثر الكتب الفلسفية تأثيراً في القرن العشرين. وفي عام 1933 فعل ما لن يُسامَح عليه: انضم إلى الحزب النازي وصار رئيساً لجامعة فرايبورغ تحت الحكم النازي.هذه اللحظة السوداء في حياته لم تُغفَر. ولا ينبغي أن تُغفَر. وسيأتي الحديث عنها لأنها لا يمكن فصلها عن أسئلة تتعلق بعلاقة الفلسفة بالسياسة وبمسؤولية المفكر.نشر “مدخل إلى الميتافيزيقا” عام 1953 وهو في الأصل محاضرات ألقاها عام 1935. وعام 1935 يعني وسط صعود النازية. وهذا التزامن ليس عرضياً.توفي عام 1976 تاركاً إرثاً فلسفياً ضخماً وجدلاً أخلاقياً لا يهدأ.● ماذا تعني “الميتافيزيقا”؟ وما المشكلة التي يراها هايدغر فيها؟قبل فهم الكتاب لا بد من فهم المصطلح.”الميتافيزيقا” كلمة يونانية مؤلفة من “ميتا” بمعنى “ما وراء” و”فيزيقا” بمعنى “الطبيعة.” إذن الميتافيزيقا هي دراسة ما وراء الطبيعة، ما وراء الأشياء المحسوسة، الوجود في أساسه.لكن هايدغر لديه مشكلة خاصة مع الطريقة التي تناولت بها الفلسفة الغربية هذا الموضوع منذ اليونانيين.يقول: أفلاطون وأرسطو وكل من جاء بعدهم كانوا يتحدثون دائماً عن “الكائنات” أي الأشياء الموجودة. يسألون: ما هو الإنسان؟ ما هو الله؟ ما هو الجوهر؟ ما هي العلة الأولى؟لكنهم نسوا السؤال الأكثر جذرية: ما هو “الوجود” نفسه؟ ليس الأشياء الموجودة بل الوجودُ ذاته.وهذا ما يُسمّيه هايدغر “نسيان الوجود”: أن الفلسفة الغربية على مدى ألفَي سنة كانت تدرس كل شيء إلا ما ينبغي أن تدرسه في الجوهر.● الفرق بين الوجود والكائن: التمييز الذي يُبني عليه كل شيءهايدغر يُصرّ على تمييز جوهري.”الكائنات” هي الأشياء الموجودة: الشجرة، الإنسان، الحجر، الفكرة، الله. هي كل ما يمكن قوله عنه “إنه موجود.””الوجود” هو الفعل ذاته. ليس الشيء الموجود بل كونُ هذا الشيء موجوداً. ما الذي يجعل الشجرة موجودة لا معدومة؟ هذا هو الوجود.المثال الذي يساعد على الفهم: حين تنظر إلى نار تشتعل، ترى الألسنة والحرارة والضوء. هذه كلها كائنات. لكن “الاشتعال” ذاته، فعلُ الوجود الحي المتغير، هذا هو ما يُشير إليه هايدغر حين يتكلم عن الوجود.الفلسفة الغربية اهتمت دائماً بالأشياء. هايدغر يريد الاهتمام بالفعل الذي يجعلها أشياء.● الداسين: ما يجعل الإنسان مختلفاً عن كل الكائنات الأخرى”داسين” كلمة ألمانية تعني حرفياً “الكون هنا.” والكون هنا هو الاسم الذي يُعطيه هايدغر للوجود الإنساني.لكن لماذا يستحق الإنسان اسماً خاصاً في منظومة هايدغر؟لأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتساءل عن وجوده. الشجرة موجودة لكنها لا تسأل لماذا هي موجودة. الحجر يوجد لكنه لا يُفكّر في وجوده. حتى الحيوانات وإن كانت واعية بمحيطها لا تسأل “ما معنى أن أكون حياً؟”الإنسان يسأل. وهذا السؤال هو ما يُميّزه.الداسين يوجد في العالم لا كفكرة مجردة منفصلة عنه بل متشابكاً معه. أنت لا تُفكّر في الكرسي ثم تجلس عليه. أنت تجلس والكرسي جزء من تجربتك المباشرة. الإنسان دائماً في العالم ومن العالم.وهذا الوجود المتشابك مع العالم هو ما يجعل السؤال عن الوجود ممكناً وملحاً في الوقت ذاته.● القلق: ليس مشكلة نفسية بل بوابة فلسفيةالقلق في فلسفة هايدغر ليس ما نُسمّيه في الحياة اليومية قلقاً. ليس الخوف من الامتحان أو الخوف من فقدان العمل.القلق عند هايدغر هو حالة وجودية أساسية. هو الشعور الذي ينتاب الإنسان حين يواجه فجأة حقيقة وجوده في عريه الكامل: أنا هنا. لا أختار أن أكون هنا. ولا أعرف تماماً لماذا أنا هنا. وسأرحل يوماً ولا أعرف متى.هذا القلق لا يُشبه الخوف لأن الخوف له موضوع. تخاف من شيء محدد. القلق الوجودي بلا موضوع. هو قلق من الوجود ذاته في كليّته وغموضه.وهايدغر يرى أن هذا القلق ليس شيئاً يجب علاجه. بل هو بوابة. حين تشعر بهذا القلق الوجودي تكون قد لمستَ حقيقة وجودك مباشرةً دون زيف. وهذه اللمسة هي نقطة الانطلاق نحو التساؤل الفلسفي الحقيقي.● اللغة: بيت الوجودمن أكثر أفكار هايدغر تميزاً وأعمقها أثراً في الفكر اللاحق هي فكرة اللغة.يقول هايدغر جملة صارت أيقونة: “اللغة هي بيت الوجود.”ماذا يعني هذا؟يعني أننا لا نُفكّر ثم نُعبّر. اللغة ليست وعاءً يحمل الأفكار. اللغة هي الشكل الذي يأخذه التفكير. بدون لغة لا يوجد تفكير بالمعنى الإنساني.وبما أن الوجود يُكشف لنا عبر اللغة، فإن اللغة هي المكان الذي يسكن فيه الوجود ويتجلى.هذا يعني أيضاً أن الكيفية التي نتكلم بها عن الوجود تُؤثّر على كيفية فهمنا له. حين سادت مفردات العلم والتقنية في ثقافتنا صار الوجود يُفهَم كمادة خام تُستغَل. وحين كانت اللغة الشعرية تسود كان الوجود يُفهَم كحضور حي يستحق التأمل.هايدغر يرى في الشعر الطريق الأكثر أصالةً نحو الوجود. لأن الشعر يُوسّع اللغة ويفتح فيها شقوقاً يتسرب منها الوجود بدلاً من حبسه في تعريفات جامدة.● الكتاب وعام 1935: سؤال لا يمكن تجاهلهالمحاضرات التي صار منها هذا الكتاب ألقيت عام 1935. وعام 1935 كانت ألمانيا تسير بخطى متسارعة نحو الهاوية النازية.في الكتاب جملة أزعجت الفلاسفة لعقود: أشار هايدغر إلى “الحقيقة الداخلية للنازية وعظمتها.”بعض المدافعين عنه قالوا إنه كان يتحدث عن النازية بمعناها الفلسفي الذي كان يُريد توجيهها إليه لا بمعناها السياسي الفعلي. لكن هذا الدفاع لم يُقنع كثيرين.هانا آرندت، تلميذته وعشيقته السابقة وفيلسوفة عظيمة بحق، ظلت تنتقده على هذا طوال حياتها مع أنها لم تتوقف عن الاعتراف بأهمية فلسفته.يورغن هابرماس، فيلسوف ألماني كبير آخر، قال إن الكتابات السياسية لهايدغر تُلقي ظلاً على فلسفته كلها وتستدعي قراءتها بعين نقدية.السؤال الذي لا يُحَل: هل يمكن قراءة فلسفة هايدغر منفصلةً عن انتمائه النازي؟ هل الفكر العميق يمكن أن يصدر عن شخص قبل بأيديولوجية قاتلة؟والجواب الأمين: لا نعرف. ولا ينبغي لنا التسرع في الجواب. لكن ينبغي أن يظل السؤال حاضراً دائماً حين نقرأه.● ما لم يقله هايدغر صراحةً والأشد أهمية مما قالهالكتاب يحمل رسائل لم تُصرَّح بها.الأول هو نقد الحضارة الغربية الحديثة من جذورها. حين يتحدث هايدغر عن “نسيان الوجود” في الفلسفة الغربية، يقول ضمناً إن هذا النسيان هو ما أدى إلى تحوّل العالم إلى مادة تُستغَل وموارد تُستنزَف. التقنية الحديثة في نظر هايدغر هي تجلٍّ مرعب لهذا النسيان: العالم صار “مستودع موارد” لا موجوداً يستحق الحضور والتأمل.الثاني هو نقد العلم كطريق وحيد للمعرفة. العلم يُجيب عن كيف تعمل الأشياء. لكنه لا يسأل لماذا تُوجد أصلاً. وهايدغر يرى أن هذا السؤال الأخير هو الأهم والأعمق وأن إهماله يصنع فراغاً وجودياً يعيشه الإنسان الحديث دون أن يعرف أحياناً سببه.الثالث هو الدعوة لنوع مختلف من التفكير. التفكير الغربي الحديث تفكير “حسابي”: يُقيّم ويُحسب ويُخطط ويُنجز. هايدغر يُريد تفكيراً آخر سمّاه “التفكير التأملي”، وهو تفكير يقف أمام الأشياء ويسمع لها بدلاً من استغلالها.الرابع هو أن السؤال الفلسفي الحقيقي لا يُحَل، وهذا ليس فشلاً بل طبيعته. السؤال “لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء” ليس سؤالاً يُجاب عنه ثم ننتهي. هو سؤال يُعاش. وهايدغر يُريد منك أن تعيش هذا السؤال لا أن تحفظ إجابته.● لماذا هايدغر صعب جداً؟ وهل الصعوبة ضرورية؟هايدغر يُعاقَب على صعوبة نصوصه أكثر من أي فيلسوف آخر تقريباً. وبعض هذه الصعوبة حقيقية.لكن هايدغر يرد على ذلك بقوله إن الأسئلة العميقة تستدعي لغة جديدة. اللغة العادية تحمل مسبقاً أحكاماً وافتراضات. وحين تريد مساءلة هذه الافتراضات من جذورها، تحتاج إلى لغة تُتيح لك ذلك حتى لو كانت غير مألوفة.هناك جزء من هذا الدفاع صحيح. وهناك جزء منه ذريعة. بعض غموض هايدغر ضروري وبعضه اختياري.لكن ما يظل صحيحاً هو أن القارئ الذي يصبر على هذا الغموض ويُحاوره يخرج بتجربة فكرية نادرة. ليس لأنه حصل على إجابات، بل لأنه طرح أسئلة لم يكن يعرف أنه لم يطرحها من قبل.●● الخاتمة: فيلسوف إشكالي وسؤال لا يهرممارتن هايدغر فيلسوف عظيم وإنسان أخطأ خطأً أخلاقياً جسيماً. هذان الواقعان يتعايشان دون أن يلغي أحدهما الآخر.فلسفته تُقرأ. وينبغي أن تُقرأ بعين نقدية واعية بكل أبعاده.وسؤاله الكبير يبقى: لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟هذا السؤال لم يُجَب عنه قبل هايدغر. ولم يُجَب عنه في كتابه. ولم يُجَب عنه حتى اليوم.ولعل عظمته أنه سؤال لا يحتاج إجابة نهائية لكي يُغيّر كيف ترى العالم من حولك. حين تقف أمام شجرة وتسأل نفسك في لحظة صدق: لماذا هي هنا بدلاً من أن لا تكون هنا؟ حين تشعر بدهشة الوجود العارية دون أن تُسرع نحو تفسير جاهز.في تلك اللحظة تكون قد مسست ما أراد هايدغر أن تمسّه.وهذا كافٍ.والى كتب فلسفية أخرى قريبا ان شاء الله #الكاتب والروائى خالد حسين#مجلة ايليت فوتو ارت..


