الكاتب الكسندر غرين من جزيرة القرم والذي دخل الى عوالمه الخاصة وعاش فيها، عوضا عن واقع مضطرب.

ألكسندر غرين… الكاتب الذي هرب إلى عالم الحلم

جودت هوشيار

في 8 تموز/يوليو 1932، توفي في بلدة ستاري كريم بشبه جزيرة القرم الكاتب الروسي ألكسندر غرين، واسمه الحقيقي ألكسندر ستيبانوفيتش غرينيفسكي، عن واحد وخمسين عاماً. ولد في 23 آب/أغسطس 1880 في مدينة سلوبودسكوي، وعاش حياة مضطربة قبل أن يجد طريقه إلى الأدب؛ فقد عمل بحّاراً، وعاملاً في مهن مختلفة، وتنقّل كثيراً، ومرّ في شبابه بتجربة العمل الثوري السري، بل تعرّض للاعتقال والنفي والسجن. وفي عام 1906 بدأ ينشر أعماله الأدبية.

لكن غرين لم يصبح مشهوراً لأنه وصف الواقع الروسي كما هو، وإنما لأنه صنع لنفسه عالماً أدبياً خاصاً، يقع بين الرومانسية والرمزية والخيال، عالمَ البحار البعيدة والموانئ الغامضة والسفن والمغامرين والأحلام التي تتحول إلى حقيقة. وقد أطلق النقاد والقراء لاحقاً على هذا العالم اسم «غرينلانديا». وفيه تجري أحداث عدد من أشهر أعماله، مثل «الأشرعة القرمزية»، و«العالم المتلألئ»، و«السلسلة الذهبية»، و«الجارية فوق الأمواج». وقد ترك أكثر من 350 عملاً أدبياً.

كان هذا العالم المتخيَّل بعيداً بوضوح عن الاتجاه الواقعي والاجتماعي الذي أخذ يفرض نفسه على الأدب السوفيتي في العقود الأولى بعد الثورة. ولم يكن غرين كاتباً سياسياً بالمعنى الذي كان ينتظره الوسط الأدبي الجديد؛ فقد ابتعد تدريجياً عن الصراعات الأيديولوجية والتنظيمات الأدبية، وكرّس أدبه للحلم والمغامرة والحب والحرية والإنسان الذي يرفض أن يتخلى عن قدرته على تخيل عالم أفضل.

وهنا تكمن إحدى مفارقات حياته: فقد كان غرين، في شبابه، قريباً من الأوساط الثورية، لكنه عندما أصبح كاتباً ناضجاً لم يجعل الثورة والسياسة محور أدبه. كان عالمه الأدبي الخاص أكثر اتساعاً من الشعارات السياسية وأكثر دواماً منها.

في خريف عام 1930، انتقل غرين من فيودوسيا إلى ستاري كريم، حيث أمضى عاميه الأخيرين في ظروف صحية ومادية صعبة. وفي صيف 1932، انتقل إلى بيت صغير في البلدة، كان متواضعاً إلى حد كبير، لكنه كان أول مسكن يملكه هو وزوجته نينا غرين. كان البيت بلا كهرباء وبأرضية ترابية، ويطل من نافذته على جبال القرم. وقد أحب غرين المكان، ورأى في عزلته هدوءاً افتقده طويلاً.

كان المرض قد أنهك جسده. وتروي شهادة كونستانتين باوستوفسكي، الذي كتب لاحقاً عن أيامه الأخيرة، أن غرين كان يحتضر من مرض عضال، وأنه طلب أن توضع سريره قرب النافذة، وظل ينظر إلى جبال القرم الزرقاء. وبالنسبة إلى كاتب عاش طويلاً مفتوناً بالبحر، تبدو هذه الصورة ذات دلالة خاصة: الجبال البعيدة أمام عينيه ربما كانت تستعيد في ذاكرته زرقة البحر الذي أحبّه وكتب عنه كثيراً.

والأشد إيلاماً في شهادة باوستوفسكي أن غرين، في أيامه الأخيرة، كان يشعر بحاجة غير مألوفة إلى الناس. فقد كان، طوال حياته، معروفاً بطبعه المنعزل وبابتعاده عن الأوساط الأدبية الصاخبة. أما الآن، وهو يقترب من النهاية، فقد كان يتمنى أن يأتي إليه شخص واحد قرأ كتبه، لكي يراه ويشكره ويتحدث معه؛ أي أن يختبر، ولو متأخراً، ذلك التواصل الإنساني الذي كان يكتب من أجله.

لكن أحداً لم يصل في الوقت المناسب إلى ستاري كريم، البلدة الهادئة البعيدة عن خطوط السكك الحديدية. وبقي الكاتب في أيامه الأخيرة مع زوجته نينا ووالدتها المسنّة. هذه التفاصيل، كما رواها باوستوفسكي، تمنح نهايته بعداً إنسانياً عميقاً: الكاتب الذي أمضى حياته في اختراع مدن وموانئ وبحار وأناس لا وجود لهم في الواقع، كان في لحظاته الأخيرة يتمنى شيئاً بالغ البساطة: أن يرى إنساناً قرأه.

وقد كان باوستوفسكي من أكثر الذين أسهموا لاحقاً في إنقاذ اسم غرين من النسيان. فبعد سنوات من وفاته، عاد إلى ستاري كريم وزار البيت الذي مات فيه وقبره، وكتب عن المكان وعن الكاتب بكلمات جعلت من نهايته واحدة من أكثر الصور تأثيراً في تاريخ الأدب الروسي الحديث. وتروي شهادته أن غرين، قبل موته بأيام، تلقى نسخاً من كتابه الأخير «السيرة الذاتية»، لكنه كان قد بلغ من الضعف حداً لم يعد معه قادراً على القراءة.

ولم يكن غرين، في حياته، من الكتاب الذين حظوا بمكانة ثابتة داخل المؤسسة الأدبية السوفيتية. بل إن علاقته بالوسط الأدبي ظلت متوترة، وظل أدبه، بما فيه من خيال ورومانسية وعوالم متخيلة، خارج الاتجاه الواقعي السائد. وبعد وفاته بسنوات، تعرض اسمه في فترة «الحملة ضد الكوسموبوليتية» في أواخر الأربعينيات لهجوم نقدي وأيديولوجي، قبل أن يعود إلى مكانته الأدبية في منتصف الخمسينيات بفضل جهود عدد من الكتاب، وفي مقدمتهم باوستوفسكي. ومنذ ذلك الحين أخذت أعماله تنتشر على نطاق واسع، وأصبح «الأشرعة القرمزية» خصوصاً من أشهر نصوص الأدب الروسي المحببة إلى أجيال متعاقبة من القراء.

وهكذا تبدو حياة ألكسندر غرين أشبه بإحدى حكاياته: رجل عاش واقعاً قاسياً ومضطرباً، لكنه رفض أن يجعل ذلك الواقع حدوداً لخياله. وحين عجز العالم من حوله عن أن يمنحه المكان الذي يريده، بنى لنفسه عالماً آخر من الكلمات؛ عالماً لا تحكمه قسوة الواقع، بل تحكمه الأحلام والبحار البعيدة والأشرعة القرمزية وإمكان أن يتحول الحلم، ذات يوم، إلى حقيقة.

وفي 8 تموز/يوليو 1932، انتهت حياة غرين في ستاري كريم، لكن العالم الذي خلقه لم ينتهِ معه. لقد بقيت «غرينلانديا» التي ابتكرها حاضرة في الأدب الروسي، وبقيت شخصياته تبحث عن الحب والحرية والمغامرة، كما لو أن صاحبها لم يغادر العالم تماماً، بل أبحر بسفينته الأخيرة نحو البحر الذي ظل يحلم به حتى النهاية.

#جودت هوشار#مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم