الكاتب العماني محمود الرحبي بقصصة:لا بارَ في شيكاغو.تجابه مآلات الحياة والمصائر الشائكة.
“لا بارَ في شيكاغو” لـ محمود الرحبي… تجابه مآلات الحياة والمصائر الشائكة.
يعود الكاتب العماني محمود الرحبي بمجموعته القصصية الجديدة “لا بارَ في شيكاغو” الصادرة أخيراً عن “محترف أوكسجين للنشر”، إلى القصة القصيرة التي برزَ فيها كصوتٍ متميّز منذ أولى إصداراته.
يُصدِّر القاصّ محمود الرحبي قصّة عنوان الكتاب “لا بارَ في شيكاغو” بعبارة لدوستويفسكي تقول: “أنا لا أعيش يومي بل أنجو منه”. ولتُصبح محاولات النجاة من اليوم الواحد قصصاً مترامية لأبطال تعدّدت طرقهم في مواجهة مآلات الحياة والمصائر الشائكة داخل دوائرها المغلقة. مشوارُ المشي الذي يقطعه “مالان” نحو البار يمسي سفراً عبر الزمن والذكريات والأوجاع، رحلة يومية يسعى بصُحبة عكّازهِ أن يجعلها -رغم العطب الجسدي- رحلةً “آمنة من المخاطر”، رحلةً للنسيان. فحياته انقلبت رأساً على عقب جرّاء حادثتين “شكّلتا منعطفين يفضي كلّ منهما إلى طريق جديد”، وهو طيلة ذلك المشوار يقطع المسافات والطرق “مالئاً وحدته بتفاصيل قرّر أن يراها جديدة”.
يتقنُ الرحبي رسم ملامح ونفسيات أبطالهِ الذين هم أناس عاديون، لا مرئيون في الكثير من الأحيان، فيهم المُعدَم والمهاجر والمستَوزِر، وأحلامهم في الغالب لا تتعدّى سقف تقليل الأضرار الناجمة عن الشقاء اليومي. مزيجٌ ساخر من المفارقات والمشاهد التي ترسخ في الذاكرة بمجرّد قراءتها، فقصصُ هذا الكتاب كما جاء في كلمة الغلاف: “بليغةٌ ومؤلمة، عميقةٌ وساخرة، مفاجئةٌ ومليئة بتقاطعات اليومي والعابر والمؤرق، وهي تتأمّل في معنى مواجهة الخسارة، والتوق للتخلّص من أعباء الفقد والهجران. ولعلّنا نتساءل مع محمود الرحبي عن أبطاله: كيف لهم أن ينجوا، عندما تغدو الحياة استعارة للوحدة والألم والجنون؟ أربع عشرة قصّة لها أن تحمل بكثافةٍ وجمال، حيوات وتحوّلات هؤلاء المستوزرين والمتقاعدين والصيّادين والمهاجرين عبر الأمكنة والمتغيرات والذكريات، ففي هذا الكتاب يرسم الرحبي خرائط سردية تعيد أحياءً تائهة إلى مدُنها، وبيوتاً مغيّبة إلى شوارعها، ويخبرنا أن لا بارَ في شيكاغو، وأن زمناً سيأتي، يسعى فيه الأشقياء إلى استبدالِ رؤوسهم ليعيشوا بسلام”.
متنقلاً بين مدنٍ وقرى بعيدة، ومن خلالِ مجالس العزاء ورحلات الصيد ومشاوير الأحياء الشعبية، يمضي بنا صاحب “ثلاث قصص جبلية” في سردٍ قصصيٍّ تتقاطع فيه براعة الخيال بواقع أعمى بحاجة إلى مرشد يدلّه للانتباهِ إلى “الإنسان” بهشاشته وتناقضه، بعزلته ووحدته الماثلة وسط الزحام. فالرحبي يلتقطُ تلك التفاصيل المهمَلة ليحوّلها إلى ملاحم صغيرة، دون أن يغفل أهمية أن ينطق أبطالُه بعبارات تكشف مأزقهم الوجودي، من قبيل: “سأكون أمام طريق طويلة غير معبّدة عليّ أن أقطعها وحيداً”، أو “عرَفَ أنّي وحيد وأبحث عن عمل”، “حينها قرّر المْثَنَّى أن يتخلّى عن دور الوزير المتقاعد وعن إزاره ودشداشته وكمّته وعمّته، ويرتدي الشورت القصير ويشقّ طريقه في الشوارع وحيداً”، “وحيداً وهو يتأمّل من بعيد الحدود اللامتناهية لمملكته التي طرد منها”.
قصصٌ لا تنقصُها الغرابة أيضاً، وهي تُكتبُ بحسٍّ سورياليّ عالٍ، يدفع بالقارئ إلى الحدود القُصوى للدهشة، كما هو الحال في القصة الأخيرة من الكتاب “انتقام بوذا” والتي نقرأ منها:
“لم يكن القانون الصارم في مسألة تبديل الرأس ليُعيقَني. وهي رؤوس أودعت البنوك السويسريّة، كما تودع الثروات. وكان أكثر الرؤوس غلاء وبعداً عن المتناول، تلك التي عاش أصحابها حياة أكثر ما يقال عنها إنّها بسيطة وعابرة، مثل نسمات مسالمة. رؤوس لأجساد ضامرة، لا تحمل في ذاكرتها أدنى شجرة من الهموم. صانها القانعون المعزولون عن كلّ ما هو مادّي وثمين. لم يكونوا يوماً ليحسبوا أنّ في قناعتهم تلك كنزاً خفيَّاً لا حدود لقيمته. كان أكثر مبتغانا، نحن الأشقياء”.
تتوزّع قصص “لا بارَ في شيكاغو” الأربع عشرة على 88 صفحة، وفيها يأخذنا محمود الرحبي إلى أقاصي النفس البشرية، مستكشفاً شتات وهجرات إنسان العصر الحالي، موقّعاً، بشجاعةِ وجرأة كاتبٍ متمرّسٍ، على قسوة الوحدة العابرة للبلدان والأجيال.
ومحمود الرحبي قاصّ وروائي وصحافي عُماني. من رواياته: “خريطة الحالم” (2010)، و”فراشات الروحاني” (2013)، و”المموّه” (2023)، وأخيراً: “طبول الوادي” (2024)، و”أوراق الغريب” (طبعة ثانية، 2024) الصادرتان عن محترف أوكسجين للنشر. ومن مجموعاته القصصية: “ساعة زوال” الفائزة بجائزة السلطان قابوس في دورتها الأولى (2012)، و”أرجوحة فوق زمنين” الحائزةُ المركزَ الأوّل في جائزة دبي الثقافية (2009). كما وصلت مجموعتاه القصصيتان “لم يكن ضحكاً فحسب”، و”صرخة مونش” إلى القائمة القصيرة لجائزة الملتقى للقصّة العربية.
عبد الصمد الكبّاص…
مجلة أوكسجين الثفافية