متلازمة المحتال.. الكاتب الذي ظنّ أنه لا يستحق الكتاب ليس أصعب على الكاتب من أن يجلس أمام الصفحة البيضاء بينما يقف في داخله ناقد قاسٍ لا يرحم.صوتٌ يهمس له باستمرار:من أنت لتكتب؟من أعطاك الحق لتضيف كلمة جديدة إلى هذا العالم المزدحم بالكتب؟هذا الصوت ليس مجرد شك عابر، بل حالة نفسية عميقة عُرفت في علم النفس باسم متلازمة المحتال حالة يشعر فيها الإنسان أنه لا يستحق ما يفعله، وأن نجاحه ليس إلا مصادفة مؤقتة، وأن لحظة انكشافه قادمة لا محالة.لسنواتٍ من عمري عانيت من هذا الصوت في رأسي.كان يهمس لي باستمرار:من تظنين نفسك لتكتبي؟من أنتِ أصلًا؟كل الأشخاص حولك من القامات العلمية، من الأدباء والشعراء، وأنتِ لا شيء بينهم.هل أنتِ راضية عن نفسك وأنتِ تجلسين بينهم؟من أنتِ لتفكري ببناء فكرة مدرسة نقدية؟من أنتِ لتحلمي بعلاج البشر بالكلمة؟كل ما تفعلينه، ذلك الذي تطلقين عليه اسم “رسالة”، ليس سوى أوهام.ارفعي عنك دور المعالج الطاهر للبشرية، وعودي إلى الواقع.ابحثي عن وظيفة حقيقية تعيشين منها.كل هذا كان يدور في رأسي قبل إصدار كتابي الأول.ولعل ما يخفف وطأة هذا الصراع أن هذه التجربة ليست فردية كما قد يظن الكاتب في لحظات ضعفه. فكثير من المبدعين الذين أصبحوا لاحقًا رموزًا أدبية مرّوا بمثل هذه الشكوك. فقد عبّرت الشاعرة مايا أنجيلو عن خوفها المتكرر من أن يكتشف الآخرون يومًا ما أنها لا تستحق ما حققته من نجاح. وكذلك تحدّث الكاتب نيل غيمان عن شعوره في أحد المؤتمرات بأنه لا ينتمي إلى المكان، رغم شهرته الواسعة وتأثيره الأدبي.تكشف هذه الاعترافات أن الشك ليس علامة فشل، بل ظاهرة نفسية ترافق كثيرًا من العقول المبدعة. فكلما ازداد وعي الكاتب بعمق ما يكتب، ازداد إدراكه لثقل الكلمة ومسؤوليتها، وربما لهذا السبب تحديدًا يتسلل الشك إلى داخل القارئ يرى النتيجة النهائية للنص، لكنه لا يرى المعركة النفسية التي يخوضها الكاتب في الخفاء.لا يرى تلك الأصوات التي تحاول هدم الفكرة قبل أن تولد، ولا يرى الساعات التي يقضيها الكاتب في صراعٍ مع ذاته قبل أن يكتب سطرًا واحدًا.ربما لهذا السبب عانى كثير من الأدباء عبر التاريخ؛ لأن الكتابة ليست مجرد عملية عقلية باردة، بل رحلة نفسية عميقة، يواجه فيها الكاتب أشد نقاده… صوته الداخلي.ومع ذلك، يستمر في الكتابة.ليس لأن الشك اختفى، بل لأنه تعلّم أن الشك جزء من الطريق.فالكاتب الحقيقي ليس من يكتب بثقةٍ كاملة، بل من يكتب رغم ارتجاف القلم، ورغم الأصوات التي تحاول إقناعه بالصمت.وربما لهذا السبب تحديدًا تولد الكتب.ليس من يقينٍ مطلق… بل من شجاعة إنسان قرر أن يكتب.# الروائية الاردنية شذى الطراونة# مجلة ايليت فوتو ارت.


