الطفل يسكن للحظة بكامل وجوده
أول الزمن وآخره: لحظة العام الجديد تترافع عن نفسها
لطفية الدليمي
الحياة، في استمراريتها المتدفقّة، خدّاعة. توهمُنا بأنّها طويلة بما يكفي، وأنّ ما فات يمكنُ تعويضُهُ، وأنّ ما لم يأتِ بعدُ هو الأهمّ. هكذا نتحوّلُ، بهدوء وبدون مقاومة، إلى كائنات تعيش في الزمن الخطأ: لا نحنُ في الأمس الذي انتهى، ولا نحنُ في الغد الذي لم يولَدْ بعدُ. نظلُّ ماكثين في منطقة رماديّة اسمُها (لاحقًا). نؤجّلُ كلّ شيء: الفرح إلى أن تهدأ العاصفة، الراحة إلى أن ينتهي التعب، الحبّ إلى أن نطمئن. الحياة نفسُها تستحيلُ فعاليّة مُؤجّلة. لن نستطيع مهما فعلنا أن نتغافل عن الحقيقة البسيطة والقاسية: لا شيء يحدث خارج اللحظة الحاضرة. المستقبلُ لا يأتي دفعة واحدة بل يتسلّلُ إلينا متنكّرًا في هيئة (الآن). كذلك الماضي، الذي نلعنُهُ أو نشتاقُ إليه، كان يومًا لحظةً عابرةً لم نمنحها انتباهتنا الكاملة.. ما نردّدُ عباراتٍ تبدو وكأنّنا نفهمها، ولا أحسبُنا فهمناها يومًا ولا عايشناها معايشة حقيقية. لم نتمثّلْها في دواخلنا بما يجعلُها واقعًا مختبرًا أبعد من حدود اللسان الذي ينطقُ كثيرًا ويعيشُ قليلًا. هل أقول هذه بعضُ أخاديع اللسان الذي لا صلةَ عضويةً له بتفكّر العقل أو رغبات الجّسد؟ اللسانُ الذي لا يجيدُ غير الكلمات المكرورة من غير خبرة حقيقية أو عيشٍ مُخْتَبَرٍ هو خدعةٌ قائلة اغتنم اللحظة، عِش الآن، لا تؤجّلْ حياتك. Seize the Moment كما تُقالُ بالإنكليزيّة. عباراتٌ ردّدتْها ألسنتُنا كمحض توقيعات جميلة في الحياة تبدو وكأنّها مستودعُ خبرة بشريّة متراكمة. لكن ما الذي يحصلُ في العادة؟ نمضي مُسْرِعين في حياتنا، تاركين اللحظة تضيعُ من بين أيدينا كهباءة غبارية أصغر من أن تُرى أو تعاش..الامر ليس اكتشافًا جديدًا لنا فضلُ الريادة فيه. هو خبرة إنسانيّة عميقةُ الجذور في تاريخ البشر. منذ قرون بعيدة، كتب الشاعر الروماني هوراس عبارته الشهيرة المكتوبة باللاتينيّة: Carpe diem، أي (اقطف يومك). لم يكن يقترحُ هروبًا من استحقاقات الغد، ولا احتفالًا عابرًا بالمُتَع اللحظيّة. كان يُحذّرُ من وَهْمٍ خطير: الثقة المفرطة في مستقبل لا نملكه. مع ذلك، وبرغم أنّ العبارة الهوراسيّة عبرت العصور، ما زلنا نسيءُ فهمها، أو نتجاهلُها عن قصد،نحن لا نخسرُ أعمارنا فجأة. نخسرُها بالتقسيط غير المُريح: لحظة مُهْمَلَة، لحظة مُؤجّلَة، لحظة حضر فيها جسدُنا وغاب وعيُنا. نعامِلُ اللحظة كعائق يتوجّبُ تجاوزه تحقيقًا لأهداف كبرى لا كقيمة يجب الإصغاءُ لها. نركض نحو ما نفترضُ فيه هدفنا العلويّ السامي وننسى الطريق، مع أنّ حياتنا الحقيقية لا تتحقّقُ عند الوصول فحسب بل أثناء المسير،ثمة مفارقةٌ طريفةٌ ومثيرة في الأمر، أذكرُها رغم أنّني لا أميلُ للسياسيين أبدًا. سأوردُها فقط لتبيان أنّ فكرة (الإمساك باللحظة الحاضرة) لم تكن يومًا احتكارًا خالصًا للشُعَراء أو الفلاسفة. اختار الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون أن يضع عنوانًا دالًّا لكتابه: Seize the Moment. لم يكن يتحدّثُ عن لحظة شخصية أو وجدانية بل عن لحظات تاريخية تمرّ على الأمم كما تمرّ على الأفراد: فرص نادرة، إن لم تُغتنَمْ لا تعود تنهض لأنّها أمسكت بلحظتها، وأخرى تسقط لأنها تردّدت، انتظرَتْ أكثر مما ينبغي، أو راهنَتْ على زمن لم يأتِ، ولا أحسبُهُ سيأتي يومًا. هنا يتقاطع الفرديّ مع التاريخي: كما أنّ الإنسان يخسر نفسه حين يغيب عن لحظته، كذلك تخسرُ الأممُ مصيرَها حين تفوّتُ لحظاتِها الفاصلة.
*****
اللحظةُ الحاضرةُ ليست زمنًا قصيرًا. إنّها حالةُ وعي. هي أن تكون هنا حقًّا، بكُلّيّتك، لا بنصفك المُضيّع في القلق ونصْفِك الآخر التائه في حُمّى التوقّع والمُغالبة على مَغْنَمٍ مستقبليّ أو جائزة مُنْتَظَرة. العيشُ في اللحظة لا يعني اللامبالاة، ولا قتل الطموح، ولا الانسحاب من الغد. هو يعني – ببساطة- ألّا نعاقب الحاضر بذنب المستقبل، وألّا نضحّي باليوم من أجل وَعْدٍ قد لا يتمّ الإيفاءُ الايفاء به من أشخاص عاشوا حياتهم في التخطيط المرهق للمستقبل؛ لكنهم لم يعيشوها فعلًا. وكمْ منأحلام تحقّقت؛ لكنّ أصحابها كانوا غائبين حين تحقّقت. هل تتحسّسون طعم المرارة في أفواهكم – كما أتحسّسُها أنا- لمرأى هذا المشهد المُشْبَع بالمأساة؟ اللحظةُ الراهنة هي المكانُ الوحيد الذي نملكُ فيه سلطة حقيقية. فيها نحبُّ، ونقول، ونختار، ونكون بشرًا حقيقيين. كلُّ ما عداها لا يعدو أن يكون افتراضًا، أو ذكرى، أو أملًا في أحسن الاحوال اشعر أنّ الموضوع معقّدٌ إلى حدود يصعبُ معها تحسّسُ أهميّة عيش اللحظة الحاضرة، والعيشُ – بالطبع وبالضرورة- يأتي لاحقًا للتمثّل الفكري الحازم. يبدو الموضوع غارقًا في نزعة فكريّة رومانسيّة تتعالى على مشقّات العيش اليوميّة التي تتطلّبُ نمطًا من التسليم باستمراريّة تلقائيّة كما يفعل الطيّار الآلي في الطائرة. لن يستطيع الطيّار البشري قيادة طائرة فوق المحيط الأطلسي مثلًا في رحلة ليلية تتجاوزُ عشر ساعات. لا بدّ من الالتجاء إلى الطيّار الآلي للمساعدة وإلّا غدت القيادةُ حالةً من الطوارئ الممتدّة، ولن نستطيع العيش في هذه الحالة لأوقات طويلة. هذا صحيحٌ تمامًا. بعضُ مستلزمات العيش الطيّب – وفي سعيها لتجاوز حالة الطوارئ المزعجة وغير الممكنة وإلّا انهار الفرد معها- هي أن يُسَلّم المرءُ حياته لنوعٍ من الاستمراريّة التلقائيّة. هذا يحصل ولا ضيْرَ فيه بل هو ضروريٌّ للغاية حتى لا ننسحق روحيًا ونفسيًا في لُجّة تدقيق صغائر الأمور. الحياة الطيّبة في جوهرها لا يمكنُ أن تستحيل حالة طوارئ ممتدّة. إنّما الخوفُ هو أن تلهينا هذه الاستمراريّة عن رؤية تفاصيل مثيرة يمكنُ أن تثري حياتنا التي قد تصبح تلقائيّة مكرورة بفعل الكسل أو التواتر المستديم. قد ننسى في وضعٍ كهذا أنّ ثمّة شخوصًا استثنائيين في حياتنا، نستمدُّ منهم طاقة وعزيمة في مواصلة العيش في عالم قاسٍ مجبولٍ على التغالب والصراع.
*****
أظنُّ أنّ التشريح السايكولوجيّ لموضوعة (الإمساك باللحظة الحاضرة) هو المدخلُ الأكثر أهمّية في المقاربة الفكرية للموضوع. تتأسّسُ هذه المقاربة على مفارقةٍ مثيرة: الحكمة الهوراسيّة لا يحتاجُها مَنْ يعيشُها فعلًا: ذلكم هو الطفل!
الشاعر الروماني هوراس (Getty)
الطفل لا يعرفُ Carpe diem. لا شأن له بها من قريب أو بعيد. لا يعرف ماهيّة الزمن أصلًا؛ لكنّه يسكنُ اللحظة بكامل وجوده. لا يفكّرُ فيما بعدها، ولا يساوِمُها، ولا يطالِبُها بأن تكون أجمل. اللحظة عنده ليست مرحلة عابرة بل واقعٌ مكتملٌ. ما الذي يحصلُ عقب الطفولة؟ نخسرُ جوهرها ونكبر. لا نكبرُ بالمعنى البيولوجي فقط بل بالمعنى الوجودي: نتعلّمُ الانفصال عن (الآن). نشرعُ بتقسيم أنفسنا زمنيًّا: وعيٌ مُعلّقٌ في المستقبل، وجسدٌ عالِقٌ في الحاضر. هذه هي نواة البذرة التي أظنّها تُنمّي الاعتلالات الروحية والنفسيّة في دواخلنا. الطفلُ لا يعيشُ في الانتظار، وتلك مأثرتُهُ الكبرى (وأظنّها فضيلته الأسمى كذلك). نحن نعيشُ انتظارًا مُمْتدًّا، وقد يكون الأصحُّ انتظاراتٍ مزمنة. نؤجّلُ الفَرَح، ونؤجّلُ الراحة، ونؤجّلُ الحياة نفسها، لا لأنّنا نؤمنُ بالغد بل لأنّنا نخاف من (الآن).الحاضر، حين نكبر، يفقد براءته. يصيرُ مثقلًا بأعباء نحمِلُها على أكتافنا: بالأسئلة التي لا نريدُ سماعها، وبالعلاقات التي لم تعُدْ تُقنعُنا قبل سوانا، وبالعمل الذي – في غالب الأحايين- لا يشبهُنا، وبفراغ لا يمكنُ مراوغتُهُ. نغرقُ في بركة التلوّث المجتمعيّ الشائع والأعراف السائدة. نخافُ اللحظة الحاضرة لأنّها صادقةٌ على نحْوٍ جارح. لا تمنحُنا وعودًا، ولا تختبئُ خلف احتمالات. تقولُ لنا ببساطة: هذا ما أنت عليه الآن. لهذا نهرب! هل عرفتَ اللعبة؟ وأين يمكنُنا الهروبُ؟ لا خيارَ سوى المستقبل. لماذا؟ لأنّه مجموعةُ احتمالاتٍ تقعُ في نطاق الإمكان حتى لو خادعْنا بذلك أنفسَنا. نقايضُ بين الإمكانيّة المرجوّة بالمتحقّق المرئي. المستقبلُ أقلُّ كشفًا لواقعنا المُتعَب لكونه أقلّ صدقًا في إنبائِنا بحقيقة أنفسِنا. هو مساحةُ إسقاطٍ (أو آليّة دفاعيّة Defense Mechanism بمفردات أدبيات علم النفس المَرَضيّ) نحمي بها ما تبقّى من قدراتنا وإمكاناتنا ودفاعاتنا النفسية المتضائلة. نعلّقُ عليه خلاصَنا، ونستثمرُ فيه صبرَنا، ونقايضُهُ بالحاضر؛ لكنّ الحياة لا تنتظر اكتمال شروطها كي تُعاش. هي تُعاشُ أو لا تُعاشُ. هي نمطٌ من المنطق الثنائي الرقمي الذي يحكم عمل الحواسيب الرقمية. صفرٌ أو واحد. تحدث أو لا تحدث تراها مقايضةً فاوستية تلك التي نلعبُها مع المستقبل؟ أترانا نخافُ أن نواجه الألم بدون وساطة الزمن؟ أنخافُ لحظة الاكتشاف الوجوديّة بأنّ بعض ما نعيشُهُ لا يُحَلُّ بالتأجيل بل بالمواجهة. المواجهة هنا هي نظيرُ العيش أو مكافئه الأكثر معقوليّة. هل هذا هو سرُّ اللعبة: الطفل لا يهربُ من اللحظة لأنّه لا يعرف أنّها زائلة. نحن نعرف؛ ولذا نخاف. أتكون هذه العبارة (شبيهةُ الأطروحة الديكارتيّة الشهيرة) هي جوهر معضلتنا الوجوديّة: نعرف هشاشة الفرح، ووجع الفقد، وخيانة الزمن؛ لكنّما معرفتُنا هذه، بدلًا من أن تجعلنا أكثر حضورًا في اللحظة الراهنة، جعلتنا أكثر غيابًا عنها. أتكون المعرفة، برغم فضائلها الموصوفة، مصدر دائنا المُميت؟ المفارقة القاسية أنّ الهروب من اللحظة لا يقلّلُ الألم، بل يضاعفُهُ. هل ثمّة من ترياقٍ يُنجينا من هذه المقتلة؟ قد يكون الترياقُ هو أن نستعيد شيئًا من الطفل الذي كُنّاهُ بقُدْرته على الوجود الكامل. أنستطيعُ إحياءَ بعض الميّت من الطفولة فينا؟الحياة لا تُعاشُ حين تختفي المعاناة؛ بل حين نُبْطِلُ دوام الاعتياد على الهروب منها. لنتذكّرْ جيّدًا ودومًا: اللحظة التي نرفضها اليوم قد تكون غدًا أكثر ما نتحسّرُ على أنّنا لم نعشْها بأقصى ما نستطيعه. لنُبطِلْ مفاعيل داءِ السّرنَمَة Sleepwalking الذي يقتلُنا كلّ حين. لِنَكُفَّ عن أن نكون شبيهي الطيّار الآلي الذي يحكُمُ طائرةً تطيرُ فوق المحيطات الشاسعة لساعات طويلة.
*****
اغتنم اللحظة ليست شعارًا رومانسيًّا بأيّ شكلٍ من الأشكال. هي نداء وجوديٌّ عاجلٌ عنوانه: لا تؤجّلْ حياتك. لا تعشْ وكأنّك زائرٌ لحظيٌّ عابر في يومك. لا تراهِنْ على زمن غير مضمون، وتفرّطْ بالزمن الوحيد الذي تملكه حقًّا. اللحظة التي تهملها اليوم قد تصبح غدًا أكثر ما تتمنى لو يعود؛ لكنها لن تفعل الامر ليس لعبة ولا يحتملُ العبور عليه من غير تفكّر حثيث. للأسف هذا ما يحصلُ في الغالب. ننسى أنّ أكثر ما يؤلمُنا في الحياة هو إدراكُنا المتأخّرُ بأنّنا لم نكن حاضرين بما يكفي حين كانت اللحظة الحاضرةُ. .ممكنة اتمنى أن نتذكّرَ دومًا: لا شيء حقيقيًّا يحدثُ خارج نطاق اللحظة الحاضرة!
ضفة ثالثة- موقع (اليوم السابع)- موقع موزاييك – دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)- جريدة الدستور- موقع العربي الجديد – موقع : – الجزيرة .نت – سكاي نيوز عربية – أبوظبي- موقع سبق- اليوم السابع- الإمارات اليوم- العربية .نت – الرياض-صحيفة الثورة السورية- موقع المصرى اليوم – موقع عكاظ- مواقع تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا- مجلة فن التصوير- إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net


