الكاتبة السورية دلال حاتم ،وادب الطفل.

دلال حاتم الكاتبة التي قاومت تسطيح الطفولة بالكلمة والمعرفة

عندما كان يُنظر فيه إلى أدب الطفل بوصفه أدباً هامشياً أو مادةً ترفيهية عابرة، جاءت دلال حاتم لتطرح رؤية مغايرة جعلت من الكتابة للطفل فعلاً ثقافياً وتربوياً لا يقل أهمية عن أي مشروع فكري موجّه للكبار. فمنذ ولادتها في دمشق عام 1931 وحتى رحيلها عام 2008، خاضت معركة هادئة ضد اختزال الطفولة في الحكايات الساذجة والشعارات الجوفاء، مؤمنةً بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء خيال الطفل وعقله النقدي. وبعد تخرجها في كلية الآداب بجامعة دمشق عام 1955، انخرطت في الحياة الثقافية السورية من موقع الفاعل لا المتفرج، فعملت في مؤسسات الثقافة والإعلام وأسهمت في تحرير مجلة «المرأة العربية» قبل أن ترتبط تجربتها ارتباطاً وثيقاً بمجلة «أسامة» التي شكلت أحد أهم منابر ثقافة الطفل في سورية.
ما يميز تجربة دلال حاتم أنها لم تتعامل مع الطفل كمتلقٍ محدود الإدراك يحتاج إلى التلقين، بل كإنسان كامل يستحق أدباً يحترم ذكاءه ويخاطب وجدانه ويحفّز فضوله. لذلك جاءت أعمالها بعيدة عن الوعظ المباشر الذي طغى على جزء كبير من أدب الأطفال العربي، واقتربت أكثر من عالم الدهشة والاكتشاف والقيم الإنسانية العميقة. كما لم تكتفِ بالكتابة الورقية، بل وسّعت حضورها إلى الإذاعة ومسرح العرائس والأنشطة الثقافية، إدراكاً منها أن الثقافة فعلٌ متكامل لا يقتصر على الكتاب وحده.
وتكشف مؤلفاتها، مثل «السماء تمطر خرافاً» و«الديك الأسود» و«ما أجمل العالم» و«بالون ريمة»، عن مشروع أدبي متماسك سعى إلى تحرير مخيلة الطفل من القوالب الجاهزة، وربط المعرفة بالمتعة، والتربية بالجمال. أما مجموعتها «العبور من الباب الضيق» فتقدم وجهاً آخر لكاتبة امتلكت حساسية إنسانية وقدرة على قراءة التحولات الاجتماعية بوعي نقدي. وقد تُوج هذا المسار بحصولها عام 1984 على جائزة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، إلا أن قيمتها الحقيقية لا تكمن في الجوائز، بل في أثرها الثقافي الممتد عبر أجيال من القرّاء.
لقد مثّلت دلال حاتم نموذجاً نادراً للمثقف الملتزم بقضايا الإنسان لا بالشعارات، وساهمت في ترسيخ فكرة أن أدب الطفل ليس أدباً أدنى مرتبة، بل أحد أكثر أشكال الكتابة مسؤولية وتأثيراً. ومن هنا تبرز أهمية إعادة قراءة تجربتها اليوم، في وقت تتعرض فيه الطفولة لاجتياح المحتوى السريع والاستهلاكي، بوصفها تجربة تؤكد أن الثقافة الحقيقية لا تكتفي بتسلية الطفل، بل تصنع مواطناً أكثر وعياً وحرية وقدرة على الحلم.

#سوريات_Souriat#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم