القفزة الكبرى للأمام”. استهدفت هذه الخطة تحويل المجتمع الصيني من الزراعة التقليدية إلى قوة صناعية

أطلق الزعيم الصيني “ماو تسي تونغ” عام 1958 رؤيته الطموحة لتغيير وجه الصين جذرياً، معلناً عن سياسة “القفزة الكبرى للأمام”. استهدفت هذه الخطة تحويل المجتمع الصيني من الزراعة التقليدية إلى قوة صناعية شيوعية تنافس بريطانيا والولايات المتحدة في زمن قياسي. حشدت الدولة ملايين الفلاحين في “كومونات” تعاونية ضخمة، وألغت الملكية الفردية للأرض، موجهةً طاقات الأمة بأسرها نحو هدفٍ واحدٍ ومحدد: زيادة الإنتاج بأقصى سرعة ممكنة، متجاهلةً قوانين الاقتصاد والطبيعة.انخرط السكان بحماس في حملة وطنية لصهر الحديد في أفران طينية بدائية شُيدت في الأفنية الخلفية للمنازل، حيث صهر الفلاحون أدواتهم الزراعية وأواني الطبخ لإنتاج الفولاذ تلبيةً لنداء الحزب، مما أدى إلى إهمال المحاصيل الزراعية وتركها لتتعفن في الحقول. وبالتوازي، شنت السلطات حملة شاملة للقضاء على “الآفات الأربع”، وعلى رأسها عصافير الدوري، التي اعتُبرت سارقة للحبوب. طارد المواطنون الطيور بالطبول والضجيج حتى سقطت ميتة من الإعياء، مما أحدث خللاً بيئياً هائلاً سمح لأسراب الجراد والحشرات بالتكاثر والتهام ما تبقى من المحاصيل بلا رادع طبيعي.تفاقمت الأزمة عندما اعتنقت القيادة الصينية بحماسة عمياء تعاليم المهندس الزراعي السوفيتي “تروفيم ليسينكو”، الذي صاغ نظرياته من وحي عقيدته السياسية، متجاهلا علم الوراثة وعلم النبات. إذ بشر بفكرة “التضامن الطبقي بين المحاصيل”، زاعماً أن البذور من الفصيلة نفسها لا تتنافس فيما بينها على الضوء والغذاء، حيث تتعاون للنمو معاً بسلام. استناداً لهذا الوهم، فُرضت سياسة “الزراعة الكثيفة” التي حشرت الشتلات بجوار بعضها حد الاختناق، بالتزامن مع ممارسة “الحراثة العميقة” التي قلبت الأرض لعمق مترين، دافنةً التربة السطحية الخصبة ومخرجةً الرمال والصخور العقيمة إلى السطح. تسببت هذه الهندسة الزراعية القسرية في ذبول المحاصيل وموتها وهي في مهدها بسبب نقص الشمس والمغذيات، محولةً الحقول التي كان يُفترض أن تفيض بالخيرات إلى أراضٍ بور.ونتيجةً لثقافة الخوف السياسية، تسابق الحكام المحليون في إرسال تقارير مضللة إلى بكين تتحدث عن محاصيل وفيرة وأرقام قياسية خيالية لإرضاء القيادة المركزية. وبناءً على هذه البيانات المغلوطة، رفعت الدولة حصص الحبوب التي تصادرها من القرى لتغذية المدن وتصديرها للخارج إثباتاً لنجاح التجربة، ساحبةً بذلك مخزون الطعام الحقيقي من أفواه الفلاحين، وتاركةً الأرياف تواجه شتاءً قارساً بمخازن خاوية تماماً.حل عام 1959 حاملاً معه بداية المجاعة الشاملة التي استمرت ثلاث سنوات. اجتاح الجوع مقاطعات بأكملها (مثل آنهوي وخنان)، وتحولت القرى المزدهرة إلى تجمعات للأشباح. اضطر السكان اليائسون لأكل لحاء الأشجار، والجذور، والأعشاب البرية، وحتى الطين (الذي يملأ البطن ويسبب الوفاة لاحقاً). سجلت الوثائق التاريخية مشاهد مروعة لانهيار الروابط الاجتماعية أمام غريزة البقاء، حيث تفشت الأمراض المرتبطة بسوء التغذية، ومات الملايين بصمت داخل قراهم المعزولة، بينما استمرت آلة الدعاية في الترويج لنجاح الثورة الزراعية.انتهت الكارثة فعلياً عام 1961، حين تراجعت القيادة عن سياسات القفزة الكبرى، وسمحت ببعض أشكال الزراعة الخاصة، وبدأت باستيراد الحبوب. خلفت هذه السنوات جرحاً ديموغرافياً غائراً في الجسد الصيني، بفقدان ما يتراوح بين 15 إلى 45 مليون إنسان، لتبقى تلك المجاعة أفضل مثال على الثمن الباهظ الذي تدفعه الشعوب حين تصطدم الأيديولوجيا السياسية الجامدة بحقائق الواقع ومتطلبات الحياة البسيطة.# احداث من التاريخ# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم