الفيلم المغربي الاسباني زنقة مالقة ليس فيه من المغاربية سوى العنوان

زنقة مالقة”.. أيديولوجيا أوروبية تلتحم بحكاية مغربية

عبد الرحيم الشافعي

الفيلم المغربي – الإسباني “زنقة مالقة” منذ مشاهده الأولى عن افتقار لأي جذور مغربية حقيقية، رغم عرضه ضمن فقرة البانوراما المغربية في الدورة الثانية والعشرين من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش. فهو يعتمد لغة إسبانية شبه خالصة، ويتناول موضوعات وتصورات تنتمي إلى فضاء سردي أوروبي أكثر منه مغربيا، إلى درجة تجعل العالم الدرامي يبدو غريبا عن الواقع الثقافي الذي يُفترض أنه يمثله. هذا الانفصال لا يتعلق باللغة فقط، لأنه يمتد إلى طريقة بناء الشخصيات وإدارة الصراع، وهذا يجعل الهوية المغربية مجرد خلفية شكلية لا أكثر.ويهمّش الفيلم اللغات المغربية الدارجة والعربية والأمازيغية ويُسند كامل ثقله الدلالي تقريبا للغة الإسبانية. وهذا الاختيار، وإن كان يمكن تبريره جزئيّا بمرجعية المخرجة، إلا أنه يطرح سؤالا مشروعا: كيف يمكن لفيلم معظمه بالإسبانية أن يُدرج ضمن بانوراما السينما المغربية مثلا؟ إن تغييب اللغات المحلية لا يؤثر على هوية الفيلم، لأنه يخلق مسافة بين العمل وجمهوره، ويعزّز الشعور بأننا أمام إنتاج أوروبي الهوى والاتجاه.ويوظّف الفيلم عددا كبيرا من الشركات الأوروبية الممولة، بشكل غير متناسب مع بساطة الفكرة وقلّة متطلباتها الإنتاجية. وهذا الحضور المكثّف للتمويل الخارجي يعطي الانطباع بأن طبيعة الفيلم ومحتواه استجابة لتصورات المنتجين الأجانب حول ما يجب أن يكون عليه الفيلم المغربي.ويبرز الفيلم المغرب من زاوية فردانية ضيقة، عبر قصص وهموم شخصية يمكن أن تقع في أي بلد، لكنه يعالجها بطريقة تستجيب لذوق المهرجانات الأوروبية الأوسع، التي تميل إلى الأعمال الهادئة والمجردة والمفصولة عن تعقيدات الواقع المحلي.بهذا يحافظ الفيلم على صورة صالحة للتصدير، لكنه يفقد أي محاولة لطرح أسئلة حقيقية حول المجتمع المغربي أو تحولاتِه. قيمة الفيلم الأساسية تقنيّة، أما على مستوى الهوية والسرد والدلالة فهو فيلم إسباني أكثر من كونه مغربياويستغل الفيلم خلفية المخرجة مريم توزاني الشخصية وتجربتها مع جدتها ليخلق إطارا عاطفيا، لكنه لا ينجح في تحويل هذه الذكرى إلى دراما قوية أو متماسكة. فالسرد يتقدم ببطء شديد، وتظل الشخصيات أسيرة لحزن مسترسل دون تطور فعلي في دوافعها أو تحوّلاتها الداخلية، والأمر يشبه محاولات تدوين ذكريات أكثر منه بناء حكاية سينمائية كاملة.ويضخّم العمل بنيته الإنتاجية بشكل لا يتناسب إطلاقا مع بساطة حكايته، لأن الفكرة في جوهرها تصلح لفيلم صغير أو متوسط الميزانية، لكن كثرة جهات الإنتاج الأجنبية توحي بأن الفيلم يُراد له أن يبدو أهم وأكبر من حجمه الفني. وهذا يطرح سؤالا مباشرا: هل كانت الفكرة نفسها بحاجة فعلية لكل هذا الثقل الإنتاجي، أم أن الأمر يعود إلى اعتبارات احتفالية أكثر من كونه ضرورة سينمائية؟ولمّعت المخرجة أداء الممثلين واهتمت بجودة الكاستينغ، وجاء أداء الممثلين عموما جيدا ومتقنا، لكن السيناريو لم يمنح الشخصيات ما يكفي من العمق أو التناقضات الإنسانية. لأن الشخصيات تتحرك داخل فضاء عاطفي محدود، دون انعطافات أو مفاجآت أو صراعات كبرى، وهذا يجعل قوة الأداء منفصلة عن هشاشة البناء الدرامي.ويعتمد تكوين اللقطات على التصوير الهادئ، والإضاءة الأنيقة، واللقطات التي تبرز ذوقا بصريا أوروبيا، لكنه لا يوظف هذه الجمالية لتوليد معنى عميق، بينما النتيجة هي فيلم جميل للعين لكنه فقير من حيث الغنى الرمزي أو الاجتماعي، والسينما التي تراهن على الصورة فقط دون عمق موضوعي تتحول إلى شكل بلا مضمون.وتفتعل المَشاهد شعورا بالحميمية والعاطفة من خلال الموسيقى والأجواء الهادئة، لكنها لا تجد سندا اجتماعيا أو ثقافيا يرسّخ هذه الحميمية، فالعلاقات في الفيلم أقرب إلى نموذج رومانسي أوروبي منه إلى منطق العلاقات العائلية المغربية. وهذا التباعد يجعل المشاهد يشعر بأنه أمام عالم مصطنع لا صدى له في الواقع الذي يفترض أنه يمثله.وما يبرّر وجود الفيلم في فقرة البانوراما المغربية هو فقط كونه من إخراج مخرجة مغربية الأصل، ومن إنتاج شركات تعمل في المغرب، لكنه لا يحمل فعليا روح السينما المغربية. قيمته الأساسية تقنية وإخراجية، أما على مستوى الهوية والسرد والدلالة، فهو فيلم إسباني أكثر من كونه مغربيا، وهنا تكمن المفارقة: فيلم جميل لكنه لا يمثل الثقافة التي يُصنّف ضمنها، فهذا ليس فيلما مغربيا # صحيفة العرب # مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم