الفيزياء النظرية الحديثة و تشكيلها المعماري..

في التشكيل المِعماري الأشْمل للفيزياء النظرية الحديثة، تمثل النِّسبية العامة (GR) والميكانيكا الكمُومية (QM) درتين لامعتين او تحفتين فنيتين مكتُوبتين بلُغتين رياضياتين متناقضتين تمامَ التناقض. ففي حين تُصور النسبية العامة لأينشتاين الزمكان الرباعي الأبعاد كنسيجٍ سلسٍ وحتميٍ ومستمرٍ، نجد ان الميكانيكا الكمُومية تكشف عن عَالَمٍ مِجهري يتسم باللايقين وبالاحتمالية وبالانتقالات المتقطعة. وعلى مدار قرْن كاملٍ، كان التوفيق بين جيومترية الجاذبية السلسة وبين خٌشونة العَالَم الكمُومي المُضطرب هي الكَأس المُقدسة للفيزياء الحديثة وفي نفس الوقت هو مرضها العضال. في هذا الاطار تُقدم الورقة البحثية المعنونة “اشتقاق موتر فضاء الطور بحسب منهاج التكميم الجيومتري: نسبية عامة بموتر فضاء الطور المكمم وبزمكان نسبي” hs

6002889إطارًا رياضياتيًا عميقًا يعْمل عَمل المٌوفق الحقيقي Reconciler بين النظريتين المختلفين. من خلال التَّخللي التام عن القيود التَّقريبية السابقة، سواء ما أدمجه ألبرت في نظريته النسبية أو ما أخترعه “آل كُوبنهاجن” في نظريتهم الكمُومية، نجد أن مؤلفي هذه الورقة البحثية الرائدة استطاعوا ان يبنوا جسرًا أنيقًا بين الكوْن الكبير وبين العَوالم دُون الذرية اي توفيقا رياضياتيا بين النظريتين العظيمتين وهم بذلك اضافوا جمالا وقوة للهيكل المعماري للفيزياء الحديثة..القَفزة المَفَاهيمية المُهمة التي قدَّمها هذا العَمَل البحثي تكمُن في توْسيعه البُنيوي للوَاقع من الفضاء الرِّيماني الرُّباعي الأبعاد القِياسي إلى جُيومترية فضاء طوْر ثُماني الأبعاد (حِزمة المَماسات المُزدوجة، T^* M). فبدلاً من تقييد قوانين الجَاذبية بالإحداثيات في الزمكان (x^α)، نجد أن المُؤلفين يُعاملون الإحداثيات والزَّخم المُترافق (p^β) على قدمِ المُساواة رياضياتيًا وفيزيائياً. نتيجة لذلك لم يعُد الِمقياس الأساسي للكوْن يُنظر إليه باعتباره شَبكة ثابتة أو فقط كينونة مُعتمدة على الخلفية الكوْنية الزمكانية، بل يَظهر كمِقياس فضاء طور دِيناميكي ومُكمم مُستخلص أو مُشتق مباشرةً من الهياكل الأساسية لـجُيومتريات اوسع واشمل وتضم بين جنباتها جيومترات فِينسلر وهاملتون..من أجل تزويد الفيزياء الكمُومية بالحُقول الجذبية المُنحنية من دون التأثير على القوانين الفِيزيائية، استخدم المُؤلفون مبدأ اللايقين الكمُومي المُعمم النسبي (RGUP) الرُّباعي الأبعاد. في هذا الإطار نَذكر أن المُحاولات التقليدية لإدخال “الطُّول الكمُومي الأدْنى” في الفيزياء غالبًا ما تنْتهك التَّماثل اللورنتزي بمَعنى أنها تُشوه علاقات التشتت للطاقة والزخم لأينشتاين. مبدأ اللايقين الكومي المُعمم النسبي المُستخدم هنا يتخطى هذه العَقبات الرياضياتية وببَراعة لافتة. ومن خلال تضمين المُوتر الريماني (g_μν) تضميناً مباشراً في علاقات المِيكانيكا الكمُومية الأساسية – وتحديدًا، [x^μ,p^ν ]=iℏ[(1+β_3 p^ρ p^ρ ) g_μν+2β_4 p^μ p^ν ] – يضْمن هذا الإطار أن اللايقين الكمومي نفسه يُصبح “جَذبيًا” بطبيعته ويتَأثر بإنحناءَات الكوْن..ربما تكُون أكثر النتائج الفَلسفية والفِيزيائية صدمةً في هذه الورقة البحثية هي الظُّهور الرياضياتي القانُوني للزَّمكان النسبي Relative Spacetime الذي يعتمد على المراقب. ولأن المُوتر المُشتق حديثاً يعتمد أساساً على كلٍ من الإحداثيات وعلى الزَّخم، فإن المُراقبين الذين يعملون عند مستويات طاقة مُختلفة جدًا أو عند عَتبات كُتلة مُتنوعة أو عند حالات زَخم مُتفاوتة سيَرون تكْوينات مَحلية مُخصصة لجيومترية الزمكان. بمعني ظهور تأثيرات جذبية كمُومية. والأهم من ذلك، فأن هذا ليس انفصالًا غير مُنظم عن الفيزياء التقليدية المعروفة؛ ففي الحد الكلاسيكي حين تَتلاشى التقلبات الكمُومية وتختفي المَقاييس العَالية للزخم، ينهار هذا البِناء المُعقد ذي الثمانية أبعاد ويعُود بطريقة سلسة إلى النسبية العامة التّقليدية لآينشتاين ذات الأبعاد الأربعة الُمعتادة..لعقود، كانت مُحاولات توحيد النظريتين الأساسيتين (النسبية والكمومية) غالبًا ما تتطلب هدْم الأسس الجٌيومترية للنسبية العامة أو تجْريد الميكانيكا الكمومية من مبادئها الأسَاسية. بمعْني أن النظريتين الأساستين بصِيغتهما المُتوارثة ليستا قابلة للتوحيد, ويلزم إعادة صياغتهما صياغة جذرية. قوى هذا النهج في التكميم الجُيومتري تكْمن في احترامه العمِيق لكلا النظامين (النسبية والكمومية). فهو يُقدم لمجتمع الفيزياء حوْل العَالَم عدة تطورات فائقة تُغيّر المفاهيم التالية:• حَل مُشكلة التفردات: من خلال تحْويل الزمكان الرباعي الأبْعاد السَّلس إلى فضاء طوْر ديناميكي ثُماني الأبعاد، يوفر الإطار الجديد الأدوات الرياضياتية اللازمة للتعامل مع المُفردات الزمانية والمَكانية المُتطرفة – مثل الثقوب السوداء وبداية الانفجار العظيم – حيث تنْهار النسبية العامة الكلاسيكية كما هو معرُوف.• الانحناء الكمُومي الذاتي: الورقة العِلمية تستخلص وبنَجاح مُعادلات الجُيوديسيك المُعدلة، وتنسج التنسورات الانحنائية، ومن ثم مُعادلات المجال لأينشتاين في فضاء الطور. على المقاييس المِجهرية، يظهر “انْحناء كمُومي” لا يمكن تجاهله، ليَحل فعليًا محَل الخلفية السلسة بنسيجٍ جيومتريٍ نابضٍ وكموميٍ.• هيكلية حقيقة لتوحِيد النظريتين الاساسيتين: بدلاً من التعامل مع الجاذبية كقوة مُجردة ينْقلها جسيم يصعُب الإمساك به (أي الجرافيتون) ويتفَاعل على خلفية كونية ثابتة، تُعيد هذه الدراسة تعْريف الخلفية الكونية نفسَها كظاهرةٍ كموميةٍ..في النهاية، فإن هذا العمَل البْحثي الرَّائد يُقدم توليفةً متماسكةً بشكل رصينٍ. إنه يُقرب الفيزياء من الحُصول على النَّظرية المُوحدة التي تسعى إليها ألمَع العُقول العلمية من بنِي البشر والتي تشْمل النَّظريات الأساسية – واقعٌ تصبح فيه سَلاسة النسبية العامة وتَقَطعِية المِيكانيكا الكمُومية ليستا متعارضتين في أسُسهما الرياضياتية، بل تُكشفان على أنهما وجهان لعملة واحدة أو منظوران مُتناغمان لنفس الحَقيقة الجيُومترية بالضبط…

#عبد الناصر توفيق#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم