ونبتدي منين الحكاية
حمص أصل الحكاية
زيناتي قدسية “عرّاب” المونودراما وسيد المسرح العربي
”ونبتدي منين الحكاية.. سورية أصل الحكاية” فمن رحم الياسمين الدمشقي، وعلى خشبات مسارحها، تشرّبت القامات الإبداعية روح الفن الملتزم. وفي مقدمة هذه القامات الشامخة يبرز اسم الفنان القدير زيناتي قدسية، السوري الهوى والانتماء، والفلسطيني الجذور والولادة.
هو ليس مجرد ممثل مرّ عابراً في المشهد الفني، بل هو أحد الأعمدة الراسخة للمسرح السوري والعربي، والربان الذي قاد سفينة “المونودراما” (مسرح الممثل الواحد) إلى شواطئ التميز والخلود على مدار أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من العطاء النبيل.
ولد زيناتي قدسية في مدينة حيفا الفلسطينية في الأول من يناير عام 1948، لتبدأ رحلته الإبداعية مبكراً في سوريا التي احتضنت موهبته الاستثنائية.
الانطلاقة الأولى: شهد عام 1971 انضمامه إلى فرقة المسرح الجامعي المركزية في سوريا، لتكون الحجر الأساس في مسيرة حافلة.
المسرح التجريبي: ساهم بقوة في تأسيس المسرح التجريبي عام 1977، وتولى إدارته عام 2002، مقدماً رؤى إخراجية سابقة لعصرها.
ثنائية “أحوال”: شكّل مع الشاعر والكاتب الراحل ممدوح عدوان ثنائياً مسرحياً بارزاً في الثمانينيات، وأثمر هذا التعاون عن تأسيس مسرح “أحوال” الذي قدّم أعمالاً حفرت في الوجدان العربي.
سيد المونودراما: لُقّب قدسية بـ “فنان المونودراما” الأول، لقدرته الفذة على تحمل عبء العرض المسرحي كاملاً بمفرده على الخشبة، مستنداً إلى كاريزما طاغية وصوت رخيم، وتجلى ذلك في أعمال حديثة ومبهرة مثل مسرحيتي “أيوب” و“ذاكرة الظل”.
تنقل قدسية في المسرح القومي السوري بين مدرسة وأخرى، ممثلاً، ومخرجاً، وكاتباً. ومن أبرز بصماته التي لا تُنسى:
”حفلة على الخازوق” (إعداد وإخراج): عرض اتسم بالجرأة والنقد الاجتماعي والسياسي اللاذع.
”الملك هو الملك”: رائعة الكاتب سعد الله ونوس التي تجلى فيها إبداع قدسية.
بالإضافة إلى عروض متميزة مثل “دونكيشوت” برؤيتها المعاصرة، و“حكاية بلا نهاية”، و”تقاسيم على درب الآلام”.
رغم أن المسرح هو بيته الأول وعشقه الأكبر، إلا أن الدراما التلفزيونية السورية والعربية نالت نصيباً وافراً من عبقرية أدائه، لا سيما في الأعمال التاريخية والفانتازيا بفضل بنيته الفنية الرصينة ولغته العربية السليمة:
نوع العمل أبرز المسلسلات والوجوه
أدوار السير الذاتية جسّد بحرفية عالية شخصية الرئيس الراحل ياسر عرفات في مسلسل “في حضرة الغياب”.
الملاحم التاريخية مشاركات متميزة في: “صلاح الدين الأيوبي”، “الظاهر بيبرس”، “خالد بن الوليد”، و”ممالك النار”.
الدراما الشامية والاجتماعية حضور مؤثر في الأجزاء الأولى من السلسلة الشهيرة “باب الحارة”، ومسلسل “ما ملكت أيمانكم”.
لم تقتصر موهبة الفنان القدير على الأداء الجسدي، بل امتدت إلى الدبلجة الصوتية، حيث منحه صوته الرخيم والعميق تذكرة العبور لأداء أعقد الشخصيات العالمية في الوجدان المعاصر، فكان الصوت العربي لشخصية “الجوكر” الشهيرة في فيلم “باتمان”، وشخصية “الدكتور هاوس” في المسلسل الأمريكي الشهير House M.D.
يظل الفنان زيناتي قدسية نموذجاً حياً للفنان الملتزم بقضايا الإنسان، والحرية، والوطن. إن تجربته الغنية تشكّل مدرسة قائمة بذاتها في عالم المسرح العربي، تلهم الأجيال القادمة معنى الوفاء للخشبة والصدق في الأداء.
من الجماهير العربية ومن عشاق المسرح والدراما.. له كل التحية والتقدير والاحترام.


