( تلولحي ) للفنان الدكتور سلام جبار
تجسيد روح المدونة الشعرية صوريا
رحيم يوسف / بغداد
لان حاضرنا ملتبس نلجأ احيانا باتجاه الماصي ، غير ان الماضي ملتبس هو الاخر ، فحاضرنا اذن هو انعكاس لذات الالتباس الذي لا انجلاء له في الافق ، فهل هي دورة من الالتباس والقلق الذي سبمتد بنا الى ما لا نهاية بالنسبة لوجودنا الشخصي على الاقل في هذه االبلاد لتي تبتكر الموت مع دورات حياتها المستمرة ؟
بحسب كارل ماركس فان :
_التاريخ يعيد نفسه ، المرة الأولى كمأساة والثانية كمهزلة .
وانا هنا استشهد بماركس متحدثا عن تاريخ العنف الدموي المستمر الى ما
لا نهاية ، وهو التاريخ الذي يستعاد بتكرار ابدي في تاريخ العراق الحديث ، العنف الذي يمارس وكأنه فعل طبيعي أثناء عملية الاقصاء السياسي ضد من يعارض السلطة مهما كان نوعها ليبقى الفعل واحدا في جميع الاحوال ، فمن يحاول او يدعو الى النغيير يتعرض لذات الفعل مع استمرار الحكومات وتبدلها عبر هذا الزمن الممتد ، وبالعودة لكارل ماركس الذي يقول :
_ يصنع الرجال تاريخهم ، لكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم ، في ظل ظروف قائمة بالفعل وموروثة من الماضي .
وعليه فاننا نصنع تواريخنا الشخصية ضمن حركة التاريخ العام ، حتى وان لم نتمكن من انحاز فعل التغيير لكننا نكون قد امتلكنا شرف المحاولة وقمنا بدورنا الانساني المفترض مهما كانت النتائج ، من هنا يستوعب الدكتور الفنان سلام جبار ما جرى ويجري ويجسده صوريا في العديد من سطوحه التصويرية ومنها السطح الماثل امامنا .
لعل واحدة من مهام الفن هي في قدرته على تحريك الساكن فينا وهو ما يتم عبر استعادة ما غلفه غبار الايام في الذاكرة ، وهي الاستعادة التي لا يمكننا وصفها بالماضي المندثر على اعتبار اننا نعيش في زمن مستمر وغير منفصل بسبب وجود ذات الظروف التي تمتد معنا ماضيا وحاضرا ليصبح الفن هنا عامل محفز اضافة لدوره في تحفيز قيم الجمال فينا ، هذا ما شعرت به للوهلة الاولى وانا اقف امام السطح التصويري الذي ابدعه الدكتور سلام جبار والمعروض في قاعة كولبنكيان ببغداد في المعرض الذي اقيم في الذكرى الثانية والتسعين لتاسيس الحزب الشيوعي العراقي والمعنون ( تلولحي ) والعنوان مأخوذ من قصيدة الشاعر الراحل عريان السيد خلف والتي لحنها الراحل الكبير محمد جواد اموري واجاد في غناءها المطرب سعدون جابر ، وهي الاغنية التي اصبحت شبه نشيد يتغنى به اليساريون قبل غيرهم ، وادون هنا المقطع الاول منها وهو ( تلولحي بروحي كصيبة تلولحي
تمرجحي بكلبي قصيدة تمرجحي
احنه خلانه وكتنا تراب بحلوك الرحي
شما يطول الجرح بينا يطيب بس ما يمنحي
تلولحي ) ، والفنان هنا قبض على روح المدونة الشعرية وحولها بقدراته الادائية الكبيرة الى مدونة صورية بالغة الجمال .
يصدح صوت فلاح عبود في ارجاء القاعة مترددا بين جنباتها ثم متخطيا جدرانها باتجاه الافق وهو يعبر النهر الخالد باتجاه الجهة الاخرى حيث تقبع سلطة الموت التي تعد الانفاس عبر عيونها التي تختبيء بين الجلاس وهي تعد انفاسهم / وهي ذات الجهة التي اعدمته بعد وقت قصير / فيرن صوته في الاسماع ليبدو وكانه يخرج من هوة عميقة لا قرار لها محملا بشجن ياسر الجميع بلا استثناء ، لدرحة ان العديد من الاصدقاء من الذين يمتلكون اصواتا في منتهى الجمال يتوقفون عن الغناء امامه احتراما لصوته وقدراته واغترافا المتعة ، وعند نطقه للكلمة الاولى في الاغنية ( تلولحي ) يتحفز الجميع للاستماع لانه يؤديها بطريقة مختلفة كليا تجمع لوعة اربعة ارواح مجتمعة وهي ارواح عريان السيد خلف ومحمد جواد اموري وسعدون جابر اضافة لروحه القلقة على الدوام والملتاعة بفعل القلق .
لا يسعنا في كل مرة سوى النظر بروح الاعجاب ونحن نتأمل السطوح التصويرية التي يبثها الدكتور سلام جبار ذلك انه يسعى ويفلح في تجسيد المختلف كونه محمل برؤي جمالية وخبرات متراكمة تدعم قدراته الادائية الكبيرة ،في تجاربه
المتعددة والمستمرة منذ سنين طوال، ولعل التجربة الاخيرة التي يعمل عليها والتي تندرج بين الواقعية والتعبيرية الجديدة فرضت وجودها واختلافها في الاوساط التشكيلية والتي يحول فيها التأريخي والشعري والحكائي الى صوري متناولا في كل سطح ما يثير الاسئلة ويحفز قيم الجمال عند البث وهذا ما يتفق عليه الجميع دون استثناء/ وبما يؤكد زعمنا / يتضح هذا من خلال العديد من الاراء التي تكتب عن اعماله في اكثر من محفل ومناسبة ، وفي السطح الذي نكتب عنه الان ندون ما كتبه الفنان الدكتور محمود شبر الذي كتب :
_ ستة عشر شخص و جثة و صورتين اسود و ابيض . كيف يجتمعون ؟ ، البناء الانشائي المتين يجعل الامر بسيطا رغم صعوبته و هنا يكمن ذكاء الفنان و احترافيته في قراءة و كذلك صياغة ما يريد .
وما كتبه شبر غير منفصل عن واقع العمل بل هو داعم له عبر رؤيته المختلفة كونه يمتلك منتجا جماليا يعرفه الجميع وبالتالي فهو في صلب العمل الفني الجمالي .
ان حشد هذا العدد الكبير في سطح تصويري واحد ليس بالامر السهل سواء لمن ينتج العمل او لمن بتلقاه ، لكن ما اسلفناه او اكده الجميع من توفر القدرات الادائية سهل من مهمة الانتاج ليبقى الثقل الاكبر على المتلقي الذي سيعمد الى محاولة فهم وتاويل السطح مع انه غير مطالب بفهم شفرات السطح بمجملها لكن بامكانه اغتراف القيم الجمالية عبر جزء او مجموعة من اجزاء السطح المركب عبر هذا العدد الكبير من المشخصات والرمزيات التي بثها الفنان .
عمد جبار الى بناء هرمي للمشهد العام جسد فيه ثنائيات تشخيصية ترتبط احدها بالاخرى سواء بشكل مباشر او غير مباشر وعبر خيوط غير مرئية يمكن اكتشافها بالتامل ،
غير اننا وللوهلة الاولى وضمن المشهد العام الذي يجسده السطح التصويري تبدو المشخصات وكأنها منفصلة عن بعضها البعض ولا يجمعها سوى طابع الحزن الذي يلفها سواءا من خلال وجودها داخل السطح او حركاتها ضمن ذات الاطار ، غير ان ذلك الحزن الذي يمثل هما جمعيا يمثل رابطا خفيا يجمعها لانها تدور حول الثيمة المركزية التي تتوسط السطح التي تمثل الشخص المعلق بالمشنقة والذي تعمد الفنان الى اخفاء ملامحه بالافق دلالة على كون الجميع محكومون بذات النهاية او المصير بمعنى ادق .
كما ان المشخصات التي بثت بترتيب دقيق حاول الفنان وافلح في تحييد ملامحها باعتبارها جزء من الحدث العام الذي دار او المصير الذي حكمت فيه مع انها لم تكن مستسلمه كليا ، وعبر الجثين التي شكلتا صليبا مقلوبا يؤكد من خلاله حجم الفجيعة الدائرة في المشهد العام ، والجثتين بلا رؤوس غيب احدهما في الافق وغطي الاخر وهما بذلك خضعتا لمصير فرض عليهما، لكن غياب الرؤوس التي تحمل الفكر تم تعويضه من خلال مجموعة الكتب يمين العمل تاكيدا علي استمرار الرفض لما هو قائم عبر وعي مستمر من خلال وجودها بالقرب من النافذة التي تطل على الافق المفتوح ، كما ان الفنان تعمد جعل الوجوه محايدة نوعا ما ونقل مشاعر الاستسلام والرفض والغضب من الوجوه الى اطراف المشخصات ليحمل الايدي والارجل تلك المشاعر عبر تجسيدها باوضاع مختلفة تاكيدا لذلك ، فمن الايدي المفتوحة لمحور العمل والتى تحاول الفتاة الامساك بها الى باتجاه اليد التي تلوح بالوداع قرب الجثة المسجاة على الارض والايدي المتشابكة وصولا الي اليد ترفع المنجل برمزيته المعروفة في اقصى يسار العمل ، كما ان دور الارجل لم يكن اقل تعبيرية هو الاخر في اوضاع المشخصات
ولم تكن الصورتان الفوتوغرافيتان اللتان وضعتا اسفل الجثة سوى تاكيد آخر على التمثيل لشخصية معروفة للرجل لم يسمه غير انه واضح المعالم يتطابق مع الشخص المعلق .
اخيرا فان الفنان دون محنة شعب تعرضت حريته لانتهاكات تغسفية في لحظات زمنية بقيت شاخصة في تاريخ البلاد وفي الوعي الجمعي للشعب ، وهي الانتهاكات التي تعرض لها اليسار العراقي تحديدا لنعود ونؤكد بانه قبض على روحية النص الشعري عبر هذا النص البصري فائق الجمال الذي استوفى كافة شروطه الجمالية عبر التكوين العام او عبر ادق تفاصيله في الخطوط
والالوان وجسد فيه مشاعره الشخصية بقدرة العارف المتمكن .
#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

