الفلسفة المثالية والتشاؤمية (التي مهدت للعدمية) حول فكرة أساسية مفادها (تحطيم العقل).

تتمحور الفلسفة المثالية والتشاؤمية (التي مهدت للعدمية) حول فكرة أساسية مفادها أن محاولة إدراك “الشيء في ذاته” بواسطة العقل وأدواته (الحواس) هي فكرة قاصرة (تحطيم العقل)؛ فنحن نرى العالم كما يتمثل لنا لا كما هو في حقيقته المطلقة. وتتصل هذه الفلسفة -من حيث المبدأ- مع مدرسة “المثالية” التي جذّرها أفلاطون، والشك المنهجي عند رينيه ديكارت، والنقد العقلي عند إيمانويل كانط، وصولًا إلى آرثر شوبنهاور ونيتشه.من بين أكثر الفلاسفة الذين عززوا نظرتهم التشاؤمية للوجود بأمثلة واضحة مستندة إلى استدلالات منطقية هو الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور. يقول شوبنهاور أن العقل وأدواته يقدمون لنا صورة “تمثلية” للعالم، لدرجة تجعل كل إنسان يعيش عالمًا خاصًا نسجته له حواسه وعقله. فمثلًا، لنتخيل أن شابًا أنهى دراسته الجامعية بتفوق، ثم قرر أن يعبر عن فرحه من خلال رحلة في السيارة مع أهله، ونتيجة السرعة والطيش، تسبب في حادث قضى فيه أحد أفراد العائلة.وفقًا لمنطق شوبنهاور، فإن هذا الشاب -قبل الحادث- كان يعيش “تمثلًا” معينًا للواقع تشكل بفعل الظروف التي استخدم عقله وحواسه لإدراكها، ولكن سرعان ما تمزق هذا الواقع بفعل الحادث (سطوة الإرادة). وفي خضم ذلك، يطرح الفلاسفة سؤالًا مهمًا للغاية مفاده: هل تغير العالم الموضوعي فعلًا؟ ويجيبون بـ لا؛ إذ إن الحياة ما زالت مستمرة للكثيرين، والشوارع ما زالت في مكانها، والمحال التجارية ما زالت مفتوحة، وهناك من يقضي وقتًا ممتعًا في المالديف أو جبال الألب، وسينقضي يوم ويأتي آخر، دون أي تغيير حقيقي على جوهر “الإرادة” المحركة للكون -خارج نطاق إدراك ذلك الشاب المتألم-.يستطرد شوبنهاور بفلسفته إلى حد التشاؤم، ويقول أن هناك إرادة عليا هي جوهر الوجود، وأن الإنسان بكافة حالاته يتأرجح بين نقطتين: الألم والملل. فإذا افترضنا أن شخصًا ما كان يعاني من ألمٍ في ضرسه منعه من تناول المثلجات (ألم الحاجة)، ثم راجع طبيبًا لتلقي العلاج، وعالجه الطبيب وأنهى أوجاعه، فإنه سيعود لأكل المثلجات التي سرعان ما سيمل منها (الملل) ليعود ويبحث عن رغبة أخرى تدخله في دائرة الألم مجددًا.يقول شوبنهاور أن هذه الإرادة “تتجاوز العقل”، بمعنى أننا جميعًا نعرف أن دوران المغناطيس يولد الكهرباء، ولكن العلم يفسر “كيف” يحدث ذلك ولا يفسر “لماذا” توجد هذه القوى في الأساس أو ماهية كينونتها الداخلية. دور العقل ينصب حول اكتشاف هذه الموارد لتسخيرها في حفظ البقاء (خدمة الإرادة)، فيصنع الإنسان المثلجات، ثم يصيب أسنانه النخر، ويعود مجددًا إلى ثنائية الألم والملل.حصل شوبنهاور على درجة الدكتوراه في الـسن 25 وكان نابغة من نوابغ عصره وعلمًا من أعلام الفلسفة الألمانية الحديثة. يختتم شوبنهاور رحلته الفلسفية بنتيجة مفادها أن السعادة الحقيقية (بالمعنى الدنيوي) شبه مستحيلة، ولكن الخلاص لا يتأتى إلا بنفي الإرادة، وتحدي الإنسان لرغباته، وزهده في السعي المحموم وراء الشهوات.من الجدير بالذكر أن هذه الفلسفة تختلف جذريًا عن فلسفة “الواقعية” التي أسسها “المعلم الأول” أرسطو. فقد تبنى أرسطو مذهبًا منطقيًا في إدراك الوجود والأشياء، وقدم إسهامات عظيمة في أمهات العلوم والفيزياء والأحياء وعلم المنطق، والتي ما زالت تعد أساسًا صلبًا للمنهج العلمي القائم على التجربة والبرهان الذي نعرفه اليوم. # الفلسفة# مجلة ليليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم