حين يقول روبرت موزيل إن «الغباء ليس مجرد نقص في الفهم، بل هو خلل في الشعور» فهو لا يصف عيبًا معرفيًا بسيطًا، بل يكشف بنية خفية من التشوّه النفسي-الوجودي، حيث ينفصل الإدراك عن الإحساس، ويتحوّل العقل إلى جهاز يعمل بكفاءة تقنية بينما تُعطَّل فيه القدرة على التأثر. من منظور نفسي-حسي-فلسفي موحّد، لا يبدأ الغباء عند الفكرة، بل قبلها، في طريقة استقبال الواقع نفسه. فالحواس لا تنقل العالم كما هو، بل كما يسمح به الاستعداد النفسي؛ وكما يقول ميرلو-بونتي: «نحن لا نرى العالم، بل نرى علاقتنا به». حين تُضيَّق هذه العلاقة خوفًا أو مصلحة أو امتثالًا، تتبلّد الحواس، ويصبح الإحساس انتقائيًا، يرى ما يطمئن ويقصي ما يقلق، فينشأ إدراك مشوَّه يبدو منطقيًا لكنه منزوع الشعور.في علم النفس الإدراكي، يُعاد بناء الواقع عبر مخططات ذهنية سابقة، لكن الشعور هو ما يهزّ هذه المخططات ويجبرها على المراجعة. حين يتعطّل الشعور، يستقر الإدراك في وهمه، ويتحوّل الفهم إلى يقين جامد. هنا يلتقي موزيل مع هانا آرندت حين قالت: «أخطر الشرور هي تلك التي تُرتكب دون حقد، ودون تفكير عميق، ودون شعور». فالغباء لا يكون غيابًا للعقل، بل غيابًا للاهتزاز الداخلي الذي يمنع العقل من التحوّل إلى أداة قسوة. الإنسان قد يفهم الظلم، يشرحه، ويبرّره، لكنه لا يشعر به، لأن الشعور لو حضر لفرض عليه موقفًا.نفسيًا، هذا الخلل ليس صدفة، بل آلية دفاعية؛ فالشعور الحقيقي مكلف، يوقظ الذنب والقلق والمسؤولية. لذلك يلجأ الفرد – بوعي أو دون وعي – إلى تخدير حساسيته كي يحافظ على توازنه الزائف. وكما يشير فرويد ضمنيًا، فإن ما يُكبَت لا يختفي، بل يعود في شكل تشوّه. هنا يعود في صورة غباء واثق من نفسه، عقل يبرّر كل شيء لأنه لا يشعر بشيء. أما حسيًا، فإن هذا التخدير يُفرغ التجربة الإنسانية من عمقها؛ فالألم الذي لا يُحَسّ لا يُفهَم حقًا، والمعرفة التي لا تُجسَّد شعوريًا تبقى معلومة باردة. ولهذا قال نيتشه: «الفكر الذي لا يمر عبر الجسد يبقى ناقصًا».فلسفيًا، يكشف هذا الغباء عن عقلانية مبتورة، عقل يحسب ولا يحكم، يفهم ولا يحس، يعرف ولا يتحمّل. إنه ما حذّر منه كانط حين ربط الأخلاق بالقدرة على الإحساس بالواجب لا بمجرد معرفته. فالمعرفة دون حس أخلاقي لا تنتج حكمة، بل فراغًا قيميًا. وهنا يصبح الغباء حالة وجودية: أن تعيش العالم دون أن يمسّك، وأن تمتلك تفسيرًا لكل شيء دون أن تمتلك موقفًا من أي شيء.في هذا المعنى العميق، لا يكون الغبي من لا يفهم، بل من لا يتأثر بما يفهم. الإنسان الذكي شعوريًا قد يخطئ إدراكيًا، لكنه يتعلّم لأنه يشعر، أما الغبي شعوريًا فقد يكون شديد الفهم، واسع الاطلاع، لكنه مغلق من الداخل. وكما قال دوستويفسكي: «أسوأ ما قد يصيب الإنسان أن يعتاد كل شيء»؛ فالاعتياد هو الوجه اليومي للغباء، لحظة يموت فيها الإحساس بينما يواصل العقل عمله. وهكذا تصبح مقولة موزيل تحذيرًا لا تعريفًا: تحذيرًا من عقل بلا قلب، وفهم بلا ألم، ومعرفة لا تمرّ عبر الإنسانمنقول من حساب صديق # الموسوعة الفلسفية# مجلة ايليت فوتو ارت.


