الطعام وثقافة الشعوب على اعتبار انه جزء من تراثها المادي.

عن دبس الرمان والشاورما: إرث الذوق المعلب !في زحمة المدن القديمة التي تختال بمجدها التاريخي وتتفاخر بتراثها الطهوي، تطل علينا – بكل أسف – ظاهرة ذوقية تُشبه اعتقاداً راسخاً بأن كل ما هو حامض وحلو يمكن أن يلتئم مع أي قطعة لحم مهما كانت. نعم، أنا أتحدث عن ذلك الطقس “المقدس” عند الكثير من السوريين، وخصوصاً الدمشقيين، الذين يصرون على إغراق شاورما اللحم أو الدجاج بذلك السائل الأسود اللزج: دبس الرمان. وكأن الطبق الناجح بذاته، ببهاراته وتوازنه، يحتاج إلى صفعة حامضة حلوة لتخريب كل ما بناه النار والبهارات من تناغم.هذه ليست مسألة تفضيل شخصي، بل هي قضية ذوق وفهم للطعام. شاورما اللحم، بشحمها المعتدل ونقشيتها المدروسة، وبتوابلها التي تتراوح بين الفلفل والكمون والبهارات السرية، هي قطعة موسيقية متناغمة. فلمَ تقحم فيها نغمةً غريبةً، لاذعةً بشكلٍ فج، وحلوةً بشكلٍ ثقيل، تعطل كل اللحن؟ إنه ذوقٌ يبدو وكأنه جاء بالوراثة، موروثٌ بلا تمحيص، كأنما الأجيال توارثت العلبة دون أن تسأل: لماذا؟ هل طعم الشاورما ناقص حقاً أم أننا نعوض بذلك الدبس عن خللٍ ما في ذائقتنا؟وهنا لا بد من وقفة تضامنية ساخرة مع إخواننا في الخليج، الذين يقعون في الفخ نفسه لكن بنكهة مختلفة، حين يضعون العسل على لحم الخاروف المشوي. نعم، العسل! ذلك الذهب السائل الذي يستحق التكريم، يُهدر على قطعة لحم مشبعة بطعمها الدسم والغني، فيتحول الطبق إلى تجربة أشبه بأكل حلوى لحمية . أليست هذه محاولة لإخفاء طعم اللحم نفسه؟ أم هي رغبة دفينة في جعل كل شيء حلو المذاق كأننا أطفال نخاف مواجهة النكهات الأساسية بصورتها الواضحة؟الفرق هنا جليٌ بين شخصين: شخص يفهم ما يأكل، يقدّر النكهات، ويعرف أن التوازن سر الإبداع الحقيقي. وشخص آخر يأكل بلا وعي، يتبع العادة دون تساؤل، ويخلط الأذواق كما تخلط الصدفة ألوان الطلاء فتنتج لوناً وحشياً. الأول يختار، ينقد، يتذوق، ويبتكر من منطلق المعرفة. الثاني يسكب، يغرق، ويثق بأن “القديم دائماً أجمل” حتى لو كان القديم مجرد خطأ ارتكبه جده يوماً ما بسبب فائض في دبس الرمان!ختاماً، ليست المشكلة في دبس الرمان أو العسل بحد ذاتهما، فهما مكونان رائعان في مكانهما المناسب. المشكلة في ثقافة الطهي التي تتحول إلى طقوس عمياء، وفي الذوق الذي يرفض التجديد والتمييز. ربما حان الوقت لنتعلم أن الاحترام الحقيقي للتراث لا يكون بتكراره بلا عقل، بل بفهمه ثم تطويره، أو على الأقل، بعدم تخريبه بسكب ما لا يناسبه عليه. فالطعام فن، والفن يحتاج إلى ذوّاقين، لا إلى ورثة يحملون وصفةً بلا فهم … وكذب من قال كول متل ما بدك وألبس متل بدها الناس … R# المثقفون السوريون# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم