عندما أكلت أوروبا جثث موتـ..ـاها باسم “العلاج”
خالد بن جلال
لطالما صُورت الحضارة الأوروبية في العصور الحديثة، على أنها مهد النهضة والتنوير، ولكن خلف ستار القصور الفخمة والجامعات العريقة، اختبأ فصل مظـ..لم ومــ..روع من تاريخ أوروبا الوح..شي.
فبين القرنين السادس عشر والثامن عشر، لم تكن الصيدليات الأوروبية تكتفي بالأعشاب، بل كانت تكتظ بأجزاء من أجساد البشر: دمــ..اء طازجة، دهون آدمية، جماجم مسحوقة، مربى من دمــ..اء الموتى، ومومياوات محنطة. هذا ما عُرف تاريخياً بـ “علاج الجثث” (Corpse Medicine) أو “آكل لحوم البشر الطبي” (Medicinal Cannibalism).
باراسيلسوس وفلسفة “علاج المثل بالمثل”
ترجع هذه الاعتقادات إلى العصور الرومانية، لكنها ازدادت بقوة على يد الطبيب والكيميائي السويسري باراسيلسوس (Paracelsus) الذي أرسى دعائم هذا النوع من العلاج.
في القرن السادس عشر، أطلق مقولته الشهيرة: “إن أنبل دواء للإنسان هو جسم الإنسان”.
استند باراسيلسوس في نظرياته إلى مبدأ “علاج المثل بالمثل” (Similia Similibus Curentur)، وهي فكرة مفادها أن العضو المصاب يُعالج بمثيله من جسد سليم.”إذا كنت تعاني من آلام في الرأس، فعليك بمسحوق الجمجمة البشرية؛ وإذا كان مرضك في الدم، فاشرب دماءً طازجة.”
كان العلماء يعتقدون أن جسم الإنسان يحتوي على روح حيوية هي السبب في عملية الشفاء، لذلك ساد الاعتقاد أن تناول جثة ضحية مـ..اتت بالعنـ..ـف سيطرد أي أرواح ش.ريرة تُسبب الأمراض في الكبد والقلب والرأس.
لذلك لجأوا إلى العلاج بأجزاء الإنسان وأجساد المومياوات المصرية، فبدأ الأوروبيون في استيراد المومياوات وطحنها بالكامل لبيعها كمسحوق علاجي.
تخيّل أن الآلاف من المومياوات المصرية المسروقة سُحقت وأُكلت وضاع معها تاريخ كامل، ومع نقص المومياوات بدأت تجارة صناعة المومياوات المزيفة، كانت الجثث تُجفف في الأفران، وتُحشى بالأعشاب، وتُلف بالأقمشة لتبدو كمومياوات مصرية قديمة، ثم تُباع للصيدليات بأسعار باهظة.
في تلك الحقبة، لم يكن الجلاد مجرد منفذ للعقوبات، بل كان يُعتبر “معالجاً” يمتلك سيطرة مطلقة على المواد الخام الأكثر قيمة. كان الجلادون في ألمانيا وفرنسا يبيعون دهون المعدومين، التي كانت تُستخدم كمرهم للجروح وآلام العظام.
أما المشهد الأكثر رع..باً، فكان يحدث عند منصات الإعدام؛ حيث كان المرضى المصابون بالصرع يتزاحمون حول المقصلة، يحملون كؤوسهم لملئها بـ الدماء الدافئة المتدفقة من أعناق المجرمين اللحظة، اعتقاداً منهم أن هذه الدماء تحمل “قوة الحياة” التي ستشفيهم.
تخيّل فقط الإنسان الأوروبي الذى غــ..زا العالم بحجة نقل الحضارة، في هذا المنظر الوح..شي…!
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل انتشرت ظاهرة “سارقي القبور” (Resurrectionists) الذين كانوا ينبشون القبور ليلاً لبيع الأعضاء والأطراف للأطباء والصيادلة؛ حتى أن بعض الملوك، مثل تشارلز الثاني ملك إنجلترا، كان لديه مختبره الخاص لإنتاج “قطرات الملك”، وهي مادة كيميائية مستخلصة من جماجم بشرية منقوعة في الكحول.
يقول سوج: “لم يكن السؤال: هل يجوز أكل لحم البشر؟ بل: أي نوع من اللحم يجب أن نأكل؟”
فكان التسابق إلى ال..دم الطازج، وإلى أجساد البنات العذارى، مما أدى إلى انتشار كبير لج..رائم الق..تل وسرقة المقابر.
ومن التناقض الأوروبي أن المستكشفين الأوروبيين في ذلك الوقت كانوا يصفون سكان الأمريكتين بـ “الهمـ..ج” و”آكلي لحوم البشر”، في حين كان هؤلاء المستكشفون أنفسهم يحملون في حقائب سفرهم مساحيق مصنوعة من جثث بشرية، وكانوا يأكلون لحوم السكان الأصليين لهذه البلاد.
هذه هي الحضارة المزعومة التي تصدّر للناس القيم والأخلاق الأوروبية الحديثة، وتنظر إلى الجميع نظرة احتقار.
يُذكر أن هذا النوع من العلاج استمر إلى عام ١٩٠٨، حيث جرت آخر محاولة معروفة في ألمانيا لابتلاع ال.دم عند المشنقة.
# مجلة إيليت فوتو آرت


