الصين القديمة وإكسير الخلود

بينما كانت أوروبا في القرن العاشر تعيش على اقتصاد المقايضة والزراعة البدائية، كانت الإمبراطورية الصينية تحت حكم سلالة “سونغ” تعيش في زمن مستقبلي يسبق بقية العالم بخمسمئة عام. في مدن مثل “كايفنغ” و”هانغتشو”، التي كانت شوارعها تضج بمليون نسمة تضاء ليلاً، ويحمل هواءها رائحة البخور  والتجارب العلمية ودخان الأفران الصناعية التي لا تنطفئ، معلنةً ميلاد “الثورة الصناعية الأولى” في تاريخ البشرية، تلك التي لم يكتب لها الاستمرار.

بدأت القصة في مختبرات الكيميائيين الطاوية، حيث كان الرهبان يبحثون عن “إكسير الخلود”، فجمعت أيديهم المكونات الخاطئة للغاية المرجوة. الكبريت، والفحم، والملح الصخري. ومن هذا الخليط المتفجر، ولدت “زهرة النار” أو البارود. تجاوزت سلالة سونغ مرحلة الألعاب النارية، لتدخل عصر الحروب الحديثة، فصبت هذا المسحوق في أنابيب الخيزران ثم الحديد، مبتكرة “الرماح النارية” والقنابل اليدوية، لتصبح أول دولة في التاريخ تدافع عن أسوارها بالنار المتفجرة. وتزامن هذا مع طفرة هائلة في “الميتالورجيا” (علم الفلزات). فقد انتشرت أفران الصهر التي تعمل بالفحم الحجري (كوك) لإنتاج الحديد والصلب بكميات ونقاوة لم تصل إليها بريطانيا إلا في القرن الثامن عشر، مما سمح بتسليح الجيوش وصناعة الأدوات الزراعية بمتانة غير مسبوقة.

وبينما كانت النار تحمي الحدود، كانت “الإبرة المغناطيسية” تفتح الآفاق. حرر علماء سونغ الملاحة من عبودية النجوم والسواحل باختراع البوصلة، مما مكنهم من بناء أول “بحرية دائمة” في العالم، أساطيل ضخمة بسفن متعددة الطوابق ومزودة بعجلات تجديف، سيطرت على طرق التجارة وحمت شريان الحياة الاقتصادي. وفي الداخل، كان هناك اختراع آخر يغير العقل البشري. فقد طور الحرفي “بي شينغ” الطباعة بالحروف المتحركة المصنوعة من الخزف. حول هذا الابتكار المعرفة من امتياز للنخبة إلى سلعة عامة، فانتشرت الكتب، وازدهرت المدارس، وتشكلت طبقة بيروقراطية مثقفة تدير الدولة بكفاءة .

أما القفزة الاقتصادية الأجرأ، فكانت التخلي عن ثقل المعدن. فقد نما اقتصاد سونغ لدرجة أن مناجم النحاس لم تعد تكفي لسك العملات. بجرأة مالية مذهلة، أصدرت الحكومة “الجاوزي” (Jiaozi)، وهي أول عملة ورقية رسمية في العالم. استبدل التجار أحمال العملات المعدنية الثقيلة بأوراق خفيفة ممهورة بختم الإمبراطور، مما سَرّع حركة التجارة وضاعف الثروات، جاعلاً من الصين أغنى اقتصاد على وجه الأرض آنذاك.

رغم هذه الإنجازات التي شكلت وجه العالم الحديث، عانت سلالة سونغ من “سوء حظ تاريخي” فادح. فقد انتهى عصرها الذهبي نهاية تراجيدية تحت سنابك خيول الغزاة المغول (سلالة يوان) في عام 1279، الذين دمروا الكثير من بنيتها التحتية. وعندما استعاد الصينيون حكمهم لاحقاً تحت سلالة “مينغ”، انصب اهتمام التاريخ على “العظمة الحجرية” الظاهرة. كسور الصين العظيم، والمدينة المحرمة، ورحلات “تشنغ خه” الاستعراضية. طغى بريقُ حجارة “مينغ” الهائل على إبداع “سونغ” الفكري والتقني، لتظل سلالة سونغ في الذاكرة الشعبية مجرد حقبة، بينما كانت في الحقيقة “المختبر” الذي اخترع الأدوات الأربع (البارود، والورق، والبوصلة، والطباعة) .

 مع مرور القرون، وتحديداً في عهدي “مينغ” و”تشينغ”، استبدل التنين روح المغامرة الجريئة بعقيدة الانكفاء على الذات، مفضلاً بناء الأسوار الحجرية العالية لصد الغرباء على بناء السفن لركوب المخاطر. سيطر وهم “المملكة الوسطى” التي تكتفي بذاتها وتترفع عن “البرابرة”، فصدرت مراسيم حظر البحر، وأُهملت التكنولوجيا، ليتجمد الزمن التقني داخل الأسوار. وبينما كانت الصين تغفو في عزلتها الاختيارية، التقطت أوروبا تلك الاختراعات ذاتها، وطورتها بنهمٍ شرس، لتعود في القرن التاسع عشر كغازٍ يضرب سواحل الصين بمدافع وسفنٍ وُجهت، باستخدام نفس البارود والبوصلة التي ابتكرتها عقول “سونغ” قبل قرون، ليدفع الأحفاد ثمن انغلاقهم وركودهم العلمي.

#مجلة إيليت فوتو آرت 

أخر المقالات

منكم وإليكم