سمو الصمت … Omertà في أعماق جزيرة صقلية، حيث تختلط رائحة البحر بعبق التاريخ، وُلد مبدأ “الأوميرتا” Omertà كقانون أسمى لا يُكتب ولا يُنطق به، لكنه يسري في الدماء كالنبض الخفي. إنه مدونة الشرف الصامتة التي تعلو فوق كل القوانين، ذلك الصمت المقدس الذي يلف الأسرار كالكفن، ويجعل من اللسان قبراً للكلمات التي لا يجب أن ترى النور.الأوميرتا ليست مجرد قاعدة سلوكية في ثقافة المافيا الصقلية، بل هي فلسفة وجودية تعيد تعريف مفهوم القوة. فالقوة هنا ليست في الصراخ أو التهديد، بل في القدرة على دفن الحقيقة في أعماق الروح، في أن ترى الجريمة بعينيك وتجعل من فمك شاهد قبر لها. إنها انتصار الإرادة على رغبة الإنسان الفطرية في البوح والاعتراف.تأملوا معي حال الثرثار الذي يجعل من لسانه نافذة مفتوحة على كل الرياح. إنه كالطفل الذي يمسك بقطعة نار، فلا يلبث أن يحرق نفسه قبل أن يحرق الآخرين. الثرثار يمشي في الأسواق حاملاً بضاعته من الكلمات الرخيصة، يوزعها على كل من يلقى دون تمييز، حتى إذا نفدت بضاعته وجد نفسه وحيداً بين أكوام الثرثرة التي خلفها. كل كلمة نطق بها كانت سهماً أطلقته يده، وفي النهاية تعود إليه كل السهام.أما الصامت المتقن لفن الأوميرتا، فيعيش في جزيرته الخاصة، محاطاً بهالة من الغموض تمنحه قوة لا يملكها المتكلمون. صمته ليس عجزاً، بل اختيار واعٍ، إنه أشبه ببحيرة عميقة لا تكشف عما في قاعها للأعين المتطفلة. حين يتكلم الصامت، تكون كلماته كالذهب، نادرة وثمينة. وحين يصمت، يكون صمته أعلى من كل الكلمات.الثرثار يعيش في فوضى دائمة، كلماته تخلق له أعداء حيثما ذهب، وتكشف عن نقاط ضعفه لمن يتربص به. هو كمن يقف عارياً في ساحة عامة، كل من يراه يستطيع أن يؤذيه. بينما الصامت يرتدي من صمته درعاً لا يُخترق، وحصناً لا تسقط أسواره.في ثقافة الأوميرتا، الصمت ليس فراغاً، بل امتلاء بالمعرفة والقوة. إنه الاعتراف بأن بعض الأسرار يجب أن تموت مع أصحابها، وبعض الحقائق لا تصلح للحياة خارج جدران الروح. الصامت الحقيقي يعرف متى يكون الصمت أبلغ من الكلام، ومتى تكون الكلمة الواحدة أثقل من جبال الأرض كلها.وفي النهاية، تبقى الأوميرتا درساً إنسانياً عميقاً يتجاوز حدود صقلية وثقافة المافيا. إنها تذكرنا بأن الكلمات كالسهام، إذا أطلقتها لا تستطيع استعادتها، وأن الصمت المتقن ليس هروباً من المسؤولية، بل هو أرقى أشكال الحكمة، وأعمق أسرار القوة، وأجمل ما يلبسه الإنسان في زمن يموج بالثرثرة والضجيج … # المثقفون السوريون# مجلة ايليت فوتو ارت.


