تهاوي الأحلام وانكسار الذات في مسرحية الشقيقات الثلاث لأنطون تشيكوفنرى من بداية أحداث مسرحية الشقيقات الثلاث لتشيكوف أن هؤلاء الشقيقات الثلاث وأخوهن أندريه وبعض المقربين منهم لديهم بعض الأحلام البسيطة في الحياة، وهم يحاولون تحقيقها، ولكنهم يعجزون عن ذلك، ويستسلمون في النهاية لقدرهم، فيستمرون في عيشهم تلك الحياة المملة الرتيبة، حتى يدركهم الموت، وهم يتمنون أن يكون حال الأجيال القادمة أفضل من حالهم، وأن يرثوا لهم للحياة الصعبة التي عاشوها، وهذا هو نفسه حال بعض أبطال مسرحيات أنطون تشيكوف الطويلة الأخرى، كالخال فانيا وابنة أخته سونيا في مسرحية الخال فانيا.والشقيقة الكبرى لهؤلاء الشقيقات الثلاث هي أولجا، وهي أكثر هؤلاء الأخوات تعقلا وحكمة، ولكنها أقل إخوتها جمالا، وتبدو كأنها تقترب من سن العنوسة، وتقتصر أحلامها على أن يتقدم لها شاب حسن الأخلاق ليتزوجها، وتقول: إنها ستوافق عليه حتى لو لم يكن غنيا أو وسيما، وتأمل أيضا أن تعيش في موسكو بدلا من العيش في هذه البلدة البسيطة التي أجبرت مع إخوتها على الانتقال إليها من موسكو بعد وفاة والدهم الذي وصل لرتبة لواء في الجيش، وكانوا يعيشون في رغد من العيش في حياته، وبعد موته ساء حالهم كثيرا.ومع مرور الوقت تدرك أولجا أن تلك الأحلام البسيطة لها من العسير تحقيقها، فهي عاجزة عن مغادرة هذه البلدة التي تضيق عليها فرصها في الزواج بخلاف المدن الكبرى كموسكو، وتستسلم لقدرها، فتصبح ناظرة على مدرسة بهذه البلدة، وتعيش في بيت تابع لهذه المدرسة مع خادمة أسرتها العجوز فيرابونت، وكانت أولجا لا ترغب في هذا العمل الشاق بالنسبة لها، ولكنها تستسلم له مع نهاية أحداث هذه المسرحية.والأخت الوسطى ماشا هي الوحيدة المتزوجة بين الشقيقات الثلاث، ولها طفل من زوجها، واكتشفت بعد مرور بعض الوقت من زواجها منه توقف شعورها بالعاطفة نحوه، وفي نفس الوقت شعرت بعاطفة قوية نحو أحد ضباط فرقة عسكرية مقيمة في جانب من هذه البلدة، وبادلها ذلك الضابط نفس المشاعر، وتطورت العلاقة بينهما، ولكنها تصدم في نهاية هذه المسرحية باضطرار هذا الضابط مغادرة هذه البلدة مع تلك الفرقة العسكرية، وتشعر عند ذلك بمرارة شديدة، وتستسلم للحياة الرتيبة التي كانت تحياها من قبل.أما إيربنا الأخت الصغرى فهي أجمل إخوتها واكثرهن رقة، وكانت تأمل هي أيضا في العيش في موسكو حيث الحياة المثيرة بدلا من العيش في تلك البلدة الصغيرة التي تعيش فيها مع إخوتها، وكانت أيضا تأمل في أن تجد في موسكو بعد أن تنتقل إليها الشخص الذي يشعر به قلبها، كما كانت تصوراتها عن فارس أحلامها الرومانسية.ولا تجد إيرينا في تلك البلدة فارس أحلامها الذي تشعر بعاطفة نحوه، وفي الوقت نفسه لا تشعر بأي ميل عاطفي نحو سوليني الشاب المتهور الذي يحبها بجنون، وأخبرها ذات مرة أنه لا يستطيع أن يجبرها على حبه، ولكنه لن يسمح لأي أحد غيره بالزواج منها.ولما تقدم البارون لإيرينا أدركت أنها لا تحبه، ولكنها وافقت عليه؛ لأنها وعدها بالعيش في موسكو، ولكن قبل إتمام زواجها من البارون يدفع سوليني البارون لمبارزة بينهما حتى لا يحظى بإيريني، ويقتل سوليني البارون في هذه المبارزة؛ مما يجعل إيريني تستسلم لقدرها بالاستمرار في العيش في هذه البلدة التي لا تحبها، والعمل في الوظيفة البسيطة التي تعملها في المجلس المحلي بها، كما أنها كانت تتوقع ان تصير عانسا كأختها الكبرى.أما عن أندريه شقيق هؤلاء النساء الثلاث فإنه لا يقل عنهن في شعوره بالتعاسة والعجز عن تحقيق الأحلام، فقد كان يتطلع للعمل محاضرا في الجامعة، ولكنه لم يستطع تحقيق هذا الحلم، واضطر للعمل كموظف بسيط، وفي الوقت نفسه اكتشف أن زوجته نتاشا مختلفة عنه، فهي سوقية في تصرفاتها ولا تجاريه في أفكاره، ومما زاد في شعور أندريه بالإحباط كونه قد تسبب في رهن بيت الأسرة بسبب ميله للقمار، وشعوره بالذنب بسبب هذا أمام إخوته الثلاث.ونرى أيضا أن بعض من كان على تواصل بهذه الأسرة كان محطما بعد أن فقد أحلامه، كسوليوني الذي كان متيما بحب إيريني، ولكنها لم تشعر به، ولم يخسرها هي ففط في هذه المسرحية، بل إنه بسبب تهوره خاض مبارزة مع البارون الذي كان في سبيله للزواج منها، وقتل البارون في تلك المبارزة، كما ذكرت هذا من قبل.وكذلك نرى الطبيب إيفان في هذه المسرحية شخصا يقترب من سن التقاعد، ولا يوجد لديه حب لمهنته، ولا لأي شيء آخر، كما أنه قد ارتضى لنفسه أن يعيش وحيدا بعد أن لم يستطع في الماضي الزواج من والدة الشقيقات الثلاث.والشخص الوحيد الذي يمكن أن نقول: إنه حقق حلمه البسيط في هذه المسرحية هو الخادمة العجوز فيرابونت، فقد كانت بعد أن كبرت في السن وتجاوزت الثمانين تحتاج لمن يخدمها لا أن تخدم هي أحدا، وأوشكت نتاشا زوجة أندريه أن تطردها من البيت الذي خدمت فيه مدة طويلة مع هذه الأسرة، ولكن أولجا حققت لها حلمها بالعيش الآمن ما بقي من عمرها حين اصطحبتها؛ لتعيش معها في البيت الذي أعطته لها مدرستها؛ لتسكنه بعد أن صارت ناظرة لهذه المدرسة.وبهذا نرى – كما ذكرت من قبل – أن كل شخصيات هذه المسرحية تقريبا كانت تشعر بأنها قد تحطمت أحلامها رغم بساطتها، ولم يكن أمامها عند ذلك غير أن تستسلم لحياتها الرتيبة التي اصطرت إليها حتى يدركها الموت
#علي خليفة
#المسرح العالمي
#مجلة ايليت فوتو ارت.

