الشاعر منذر حسن يكتب عن رواية علي عبد الله سعيد- ملح الهذيان.

مقالتي المنشورة في مجلة #الأقلام العراقية العراقيةالعراقية حول رواية #ملح الهذيان الهذيان

الهذيان للكاتب #علي عبدالله سعيد سعيد
علي عبد الله سعيد يطلق الصقر المحنّط في روايته ” ملح الهذيان”

يخلص عنوان رواية “ملح الهذيان ” – الصادرة عن دار أرواد؛ عام 2025؛ للكاتب علي عبد الله سعيد – إلى دلالة مفادها أنّ الهذيان ليس هذياناً عبثياً بلا معنى، بل هو هذيان بطعم قد يبدو مختلفاً من مقطع لأخر، هذيان جمالي بنكهات مختلفة: لاذعة، مستساغة، مرة ..
يحرص “علي عبد الله سعيد ” على أن يكون مختلفاً كما هو في مجمل أعماله، و في هذه الرواية يؤكد ذلك، فهو لا يتوانى عن قول ما في نفسه، قول ما لا يقال و ذلك في نص يمضي بتيار متدفق منفلت من الضوابط التقليدية للنصوص الروائية. يبني هذا النص على الأسس التالية:
الحدث الروائي
لا حدث معين تقوم عليه الرواية، و لا تمضي بسيرورة مألوفة، هي تقوم على رحلة في المكان ، الأمكنة، في الزمان ، في اللغة، في المواقف، في الوعي، في اللاوعي. رحلة من الهذيان في مواجهة كل شي. هذيان فانتازي، واقعي، احتفائي، احتجاجي، هذيان فاضح، قاس، ناعم، هذيان في الهذيان..
لكنه ليس الهذيان السلبي، إنه هذيان الفاعل و هو ما يبينه الراوي بالخروج من حالة المنفعل بالرفض و التنصّل ممن لا فعل لهم ” الناس يثيرون اشمئزازي اللامحدود، لا أدري كيف أرى في كل كائن بشري، كائن رخوي رضوخي”.
كأنه يعيد إنتاج حالة الرفض البشري التي أعقبها اكتشاف العري، و تأسست عليها المعرفة و الخطيئة الأولى، تلك الحالة التي نجمت عن أكل آدم و حواء من الشجرة المحرّمة، و التي يرمز لها ما وارى به الإنسان عورته عبر التاريخ، لذلك تَعتبر الثياب رمز المعرفة و رمز الخطيئة.
يقول الراوي في سياق هذيانه “أنا الآن عار أمام الجدران، أمام الماء، أمام نفسي” ما يلبث العري الفردي هنا أن يصبح جماعياً و لكن هناك من لم ير عريّه بشكل ذاتي و المرايا لم تعد تعكس شيئاً فقد ماتت نهائياً، ماتت سبع ميتات ” أين نخبئ جميعاً هذا العري لفضائحهم، أيتها المرآة المغطاة بسبعة أكفان سوداء”
هذا الرفض المقترن بالمعرفة الذي يواجه به الراوي حيثيات و معطيات حياتية لامنطقية، مواجهة خاسرة في حالة الوعي؛ دفعه نحو مواجهتها بالسخرية المرة الحادة و الهازئة و ذلك في سياق هذياني لا ينجم عن حالة مرضية أو عن قصور ذهني، بل عن فعل واع قصدي. و كأنّه لا سبيل لمواجهة هذا الواقع بحذافيره سوى بذلك، هذا الواقع الذي يبدأ من الذات، المرأة، الناس، الساسة، العتاة، السفلة، الأخيار، الأولياء، الزمان، المكان، الكتابة، القراءة،….
البنية السردية:
الرواية في كليتها قامت على نص نزع عنه قيود النص الروائي و سماته التقليدية، استرسال لاهث في مكان، هادئ في مكان آخر، بدون تقطيع في فصول أو أجزاء، و كأن الكاتب أراد ألا يترك فرصة للقارئ للابتعاد عن النص، أو حتى للالتفات.
يبنى النص وفق ما تواجهه الشخصية الرئيسة من أحداث، وذلك على إيقاع حركتها و حالتها النفسية، و هذا ما جعل البناء النصي مقلقلاً لا يمضي بوتيرة درامية معهودة؛ فليس هناك تنام درامي متصل للحدث.
الخط الدرامي هنا أشبه بالخط البياني؛ يتصاعد و يخفت على وقع تفاعل الشخصية مع البيئة الحيوية من أشخاص و أمكنة و كائنات تنحدر إلى مستوى الحشرات إضافة إلى تأثيرات أخرى، باستطرادات و تداعيات يحفزّها حدث حيناً لتنسرب إلى أحداث أخرى، بينما تقوم الكلمات المفتاحية حيناٌ آخر بفتح مسارب لهذه التداعيات و الاستطرادات، و في مقاطع أخرى نجد استطرادات و تداعيات تطرأ وفق استيهامات و تخيلات بطيوف متفاوتة.
في النص نقلات مفاجئة على صعيد الحدث و المكان و الزمان، تسبب ارتجاجات في التلقي لمن اعتاد النصوص التقليدية، و يبدو أن هذا الأمر لا يعني الكاتب كثيراً، فهو لا يضع في ذهنه متلقياً معيناً، لكن النص يفترض براعة و ذائقة عالية لدى من يريد قراءته.
شخوص و كائنات الرواية:
شخصية الراوي شخصية مهيمنة رئيسة، تسوق الحدث وفق مشيئتها و ترسم مسار و مصير الأشياء، شخصية بلا اسم و لا معالم محددة، جوانية تتحدد سماتها بتفاعلها مع ما حولها، و هي بالمجمل ليست على توافق مع ما يحيط بها، و لا مع المقولات و البديهيات و المفاهيم المألوفة، و لا مع هذا العالم.
تبدو في اغتراب دائم، انفصامية حينا، حادة أحيانا، متهتكة، صاحبة رؤية، متبرمة محتجة، لا مبالية،ساخرة، مثقفة واعية، ثائرة…
و هي الشخصية الوحيدة الحاضرة في الرواية، بينما الشخوص الأخرى طارئة ثانوية، يتحدد وجودها بعلاقتها بالشخصية الرئيسة.
أغلب الشخوص الثانوية؛ شخوص مأزومة، منساقة مع واقعها، غير قادرة على الفعل كشخصية النادل في المقهى و الفندق، و هناك شخوص مضطهدة كشخصية “أم محمد” في الفندق ، بليدة متعامية كشخصية “البدوي”.
إضافة إلى الشخوص، ثمة كائنات تأخذ بعداً رمزياً، هذا ما نراه في “الصقر المحنط” الذي يصادف وجوده في غرفة المرأة العشيقة، و يشكّل معها جدلية الحيوية و الموات، حالة تضاد بين زخم الحياة و تثبيطها، بين الرحابة و الضيق، وهو ما يثير الراوي و يدفعه للخلاص من هذه الحالة برمزيتها؛ بالهذيان، بالحلم، بالفعل الذي تجلّى بصفعه للصقر.
الصقر الذي تدب فيه الحيوية، يرتد نحو الراوي في محاولة لأن يسلبه نسغ الحياة، كأن في الأمر تبادل أدوار ” بغتة يحلّق الصقر فوق رأسه، ينشب مخالبه في صدره و يضرب بجناحيه المحنطتين على عينيه الحالمتين؛ ليس بامرأة ليس ببلاد، ليس بأمان مطلق، بل بتشرّد…”
يقع الراوي في موضع تجاذب بين الصقر في هذه الحالة، و بين المرأة الذاهلة التي يدهشها ما يحدث فلا تدري على أي شعور ستستقر ” و المرأة بدهشتها الأخاذة الفتّانة، تقف متفرجة ، ضاحكة، باكية ، مرتجفة،هادئة كوثن من حجر… “
يرى في الصقر محاكاة له، حين يطلب منه أن يكف عن الطيران فوق رأسه، يقول الصقر”تعبت كثيراً من الوقوف على قاعدتي الخشبية” فيجيب الراوي”و أنا أيضاً تعبت كثيراً من الموت في حياتي”
لغة الرواية:
تقوم الرواية على وحدات لغوية قصيرة متلاحقة، هذا ما فرضته طبيعة السرد المتدفق، و ما شحن النص بحيوية عوّضت غياب الحدث الواضح و التنامي الدرامي.
أتت اللغة مكثفة حيناً، متوترة حيناً، مبسطة واضحة بدلالاتها في أحيان أخرى، مناسبة لم تشكّل عبئاً على الشخوص و النص، فلكل شخصية لغتها، فقد أورد الحوار بالعامية؛ كما في حواره مع الشخصية البدوية.
هناك لعبة لغوية في مواقع مختلفة من النص تعتمد التقديم و التأخير بما يجعل الإيقاع أسرع و تردد الكلمة أكثر تأثيراً” سأسير خلفك خطوة .. خطوة، بعد هنيهة من خطوة”، كما استخدم الكاتب صيغ الفعل المضارع التي تفيد التفاعلية الآنية المستمرة في لحظة استخدام الفعل ” كان يفكّر أن يتجنسن مع المرأة”
ما يميّز هذه الرواية هو ابتعادها عن التقليدية، و قدرتها العالية و العميقة على تعرية الواقع و رفع اليومي المعتاد و الهواجس المعروفة و التي لا فكاك منها في هذا الشرق، إلى مصاف جمالي مدهش.

#منذر حسن#مجلة ايليت فوتو ارت…

أخر المقالات

منكم وإليكم