الشاعر الذي قتله شعره!
هل سمعت يومًا عن رجلٍ كانت كلماته سيفه… ثم صارت السيف الذي قُتل به؟
إنه أبو الطيب المتنبي، الشاعر الذي لم يعرف التواضع طريقًا إلى لسانه، ولا الانكسار سبيلًا إلى روحه. كان يرى نفسه أكبر من زمانه، وأشد حضورًا من ملوكه، وأخلد من سيوفهم. شعره لم يكن مجرد قصائد، بل كان إعلان مجدٍ دائم، وصوتَ فخرٍ يدوّي في أرجاء التاريخ.
قال يومًا في بيتٍ صار نشيدًا للعظمة:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
بيتٌ تتدفق فيه الثقة كما يتدفق الدم في العروق، لكنه – من حيث لم يدرِ – كان يرسم قدره بيده.
فقد هجا رجلًا يُدعى ضبّة بن يزيد الأسدي هجاءً لاذعًا، لا يداويه الزمن ولا تمحوه الأعذار. فاشتعلت نار الثأر في صدر خصمه، واتفق مع عمه فاتك الأسدي على الانتقام. نُصب الكمين قرب النعمانية، في طريقٍ موحشٍ لا يسمع فيه سوى وقع الخيل وأنفاس الخطر.
ولما باغتوه، أدرك المتنبي أن الموت أقرب من النجاة، فمال إلى الفرار. لحظة بشرية خالصة، يغلب فيها حب الحياة كل مجدٍ مكتوب. لكن غلامه صرخ به ساخرًا:
“أين الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني؟”
كانت الكلمات كالسهم المرتد إلى صدره. كيف يهرب من ساحةٍ طالما ادّعى السيادة عليها؟ كيف يُكذّب شعره بفعله؟
عاد… لا لأن السيف أقوى، بل لأن الكبرياء أقسى.
قاتل، لكنه لم يكن فارس معارك بقدر ما كان فارس بيان. فسقط صريعًا، وسقط معه ابنه وغلامه، وبقي البيت شاهدًا على مفارقةٍ موجعة:
قد يرفعك الشعر إلى السماء… لكنه قد يطالبك أن تموت لتصدقه.
مات المتنبي جسدًا، لكنه عاش نصًا.
سقط الرجل، وبقي الصوت.
وغابت الخطى عن الطريق، وبقي الأثر في الذاكرة.
هكذا يكتب التاريخ أحيانًا نهاياته…
لا بالدم وحده، بل بالبيت الذي قيل ذات يوم، ثم صار قدرًا.
# مجلة إيليت فوتو آرت


