مقال عن فريدريك وايزمان هذا الناسك العظيم ان بحثنا عن تعريف سهل، مباشر، وربما مدرسي للأفلام الوثائقية، قد يقودنا إلى القول إن السينما الوثائقية هي نوع من الأفلام يهدف إلى استكشاف الواقع وفهمه وتمثيله عبر أشخاص وأماكن وأحداث حقيقية، تُقدَّم على الشاشة من خلال رؤية فنية “مفلترة” دون تعقيم أو بتر، كما لو أنها نقل محايد بالكامل للحقيقة. والكلمة الأهم والأشد حسمًا هنا هي “الواقع”. قد يبدو هذا التعريف مقنعًا لكثيرين… إلى أن تتقاطع حياتنا ومعارفنا مع أفلام فريدريك وايزمان، الذي أمضى قرابة قرن على هذه الأرض، وهو يعيد، بهدوء وصبر، مساءلة كل مسلّمة تتعلق بالسينما الوثائقية وما يُنتظر منها.وُلد فريدريك وايزمان في بوسطن عام 1930، وعاش حياة هادئة موزّعة بين كامبريدج وباريس وولاية مين؛ حياة تشبه أفلامه: بلا ضجيج، نعم، لكنها تحمل حفرًا طويل النفس، ادًا على مراقبة الحياة ورؤيتها بحق. وصل وايزمان إلى السينما آتيًا من دراسة مرموقة، كما جرت العادة؛ إذ درس القانون ودرّسه. شاءت الحياة، بنضج وأناة وخبرة طويلة بمعاركة الحياة والأنظمة، أن تقوده هذه المسيرة، من حيث لا يدري، إلى موضوعه المحبب والمظلِّل لمشروعه: المؤسسة. فالمستشفى، والمدرسة، والمحكمة، والشرطة، والمتاحف، والبلديات، والمكتبات، والجامعات… كلها، هذه الحاضنات الفكرية والقانونية، ستشكّل لاحقًا العناصر المؤسسة لانشغالاته السينمائية، كما نرى في أفلام مثل (High School) و(Hospital) و(Law and Order) و(City Hall).أنجز وايزمان ما يقارب خمسين فيلمًا، دارت موضوعاتها حول سؤال واحد: كيف يعمل النظام المؤسسي من الداخل؟ لم يكن المخرج مهتمًا ببطولات فردية أو جماعية، قومية أو وطنية، بقدر اهتمامه بالآليات الخفية التي تنظّم الحياة اليومية للمواطن الأميركي الستينيات: لقاء الأميركي بأمريكا في مطلع الستينيات، دخل فريدريك وايزمان بوابة السينما عبر مهاراته الإنتاجية، لكن اللقاء الحاسم بينه وبين رؤيته، وتخمير هذه الرؤية كموضوع مرئي، وقع عام 1967 مع فيلمه الأول (Titicut Follies)، وهو فيلم صُوِّر داخل سجن ومستشفى للأمراض النفسية في آن. هنا تواجه المنظومة القانونية أسئلتها الأعقد، وتكاد تضيع بوصلتها. ففي المستشفى، سجناء حوكموا لجرائم لم يرتكبوها بقدر ما عوقبوا على اضطرابات سلوكية ونفسية؛ فكيف تتم معاملتهم؟ هذا الفيلم الصادم لم يشكّل بداية مسيرة سينمائية طويلة فحسب، بل حضر كما لو أنه بيان تأسيسي وضع السينما الوثائقية لوايزمان في مواجهة أسئلة أخلاقية وقانونية معقّدة، وأدخل صاحبه في معارك قضائية بسبب ما كشفه من واقع لم يكن مألوفًا عرضه، حيث مُنع عرضه في بلد الديمقراطيات لعدة سنوات قبل أن يُفرج عنه.وايزمان: سينما الجمال الطبيعي أنجز وايزمان ما يقارب خمسين فيلمًا، دارت موضوعاتها حول سؤال واحد: كيف يعمل النظام المؤسسي من الداخل؟ لم يكن المخرج مهتمًا ببطولات فردية أو جماعية، قومية أو وطنية، بقدر اهتمامه بالآليات الخفية التي تنظّم الحياة اليومية للمواطن الأميركي. لذلك، ومنذ البداية، اختار شكلًا صارمًا لما يضعه في أفلامه، فلم يستعن بأي نوع من الغش الفني، ولم يسمح لنفسه بالحذاقة أو الاستخدام المفرط للحرفة وتقنياتها.جاءت سينماه الواقعية بلا زخرف، بلا تعليق صوتي قد يفرض رؤية مضلِّلة، بلا مقابلات مع شخصيات فيلمه، وبلا موسيقى تصويرية. أتى الفيلم الوثائقي عاريًا من الحيل؛ استخدم كاميراه في مواجهة العالم، العدسة مفتوحة للمراقبة، والمونتاج يعيد السرد. لم يسعَ، بكل تعقيد رؤيته، إلى تبسيط المفاهيم أو توجيهها نحو استنتاج بعينه. لم يكن يحب أن “يوثّق” الواقع بقدر ما كان يتركه يتألّف عبر اختيار اللقطات وترتيبها وإيجاد إيقاعها الصحيح، وطبقة الحقيقة الكامنة فيها.في تجربة فريدريك وايزمان الممتدة لسنوات طويلة، ظلّت السينما الروائية طارئة وهامشية. لم ينجز عملًا روائيًا صريحًا إلا في وقت متأخر جدًا، عندما قدّم فيلمًا مبنيًا على الرسائل التي كتبتها زوجة تولستوي (The Last Letter). وبدا ذلك استثناءً أقرب إلى التفاتة شاعر عجوز منه إلى تغيير مسار إبداعي، إذ إن مشروعه الحقيقي، الأكثر أصالة وقربًا من شخصيته، كان قد ترسّخ منذ زمن، منذ أن قرر الكتابة بالواقع لا عنه.الأوسكار والاعتراف المتأخركالمعلمين الأصلاء، ولكي يحافظ على استقلاليته، أنشأ شركة إنتاجه الخاصة، واستمر في العمل حتى سنواته الأخيرة، رافضًا فكرة التقاعد عن الحياة أولًا، وعن المراقبة ثانيًا ودائمًا. عندما مُنح أوسكارًا فخرية، بدت الجائزة اعترافًا متأخرًا، ربما، بما كان واضحًا منذ زمن: أن وايزمان كان مؤرخًا للمنظومة المؤسساتية الحديثة.في شباط/فبراير 2026، رحل فريدريك وايزمان عن ستة وتسعين عامًا، تاركًا أرشيفًا هائلًا للحياة المعاصرة، وكأن قرنًا كاملًا من مراقبة العالم أُغلق بهدوء، بلا تعليق صوتي ولا موسيقى مؤلَّفة. وكأن هذه السينما أتت لتقوّض فكرة الفيلم الوثائقي التقليدي، فنخرج من أفلامه وقد عشنا تجربة كثيفة، كأننا أمضينا زمنًا داخل العالم نفسه، لا داخل فيلم مصنّع أو مفبرك بألاعيب شكلية.في تجربة فريدريك وايزمان الممتدة لسنوات طويلة، ظلّت السينما الروائية طارئة وهامشية. لم ينجز عملًا روائيًا صريحًا إلا في وقت متأخر جدًا، عندما قدّم فيلمًا مبنيًا على الرسائل التي كتبتها زوجة تولستوي (The Last Letter)وايزمان: دعوة مفتوحة كي نرىفي سينما فريدريك وايزمان، تضع أفلامه المشاهد في موقع المراقب الذي يبحث ويحلّل ويلاحظ ويربط التفاصيل بنفسه، فيحمّله عبئًا فنيًا بسيطًا، ربما، لكنه مقلق، يتمثل في الامتناع عن التفسير والتوجيه وإملاء المعنى. ففي غياب الراوي العليم، تنشأ علاقة جديدة مع الصورة، تقوم على الثقة بقدرة المتلقي على بناء المعنى.جماليًا، وبنظرة نقدية متسرعة، قد تبدو هذه الأفلام خالية من البهرج والزينة، لكن جمالها يتسلل من الإيقاع: إيقاع الزمن الحقيقي، حيث تطول اللقطات، وتستمر المحادثات، وتتفرع، وتتعربش على وعي المشاهد، رابطةً إياه بواقع طالما لامسه واختبره. حتى الصمت يتركه وايزمان ليملأ الفراغ.هكذا، مع تراكم المشاهد، يتقطّر شعر خفي قد نظن أن حياتنا لا تحمله، لكن رؤية وايزمان للحياة اليومية شعرية بالضرورة؛ إذ لا يأتي بالجمال من الصورة المفردة فحسب، بل أيضًا من الزمن الذي نقضيه معه في المراقبة والنظر، حيث يرشدنا، دون أستاذية، إلى أن ننظر.يكمن سرّ روعة هذه الأفلام في أنها تولد حقًا في غرفة المونتاج. هناك يعيد بناء الحياة، بعد أن يكون قد صوّر مئات الساعات من المادة الخام؛ كطبيب، يعيد تركيب أطراف الحقيقة ببطء شديد، حتى تولد بين يديه، حارّة، كاملة، حرّة، وجاهزة للحياة خارج الفيلم، وخارج ما أراده وايزمان لها…


