السرقات الادبية ،هل تحمل فكرة نبيلة ام مجرد سطو على انتاج فكري للاخر.. ؟!

لم تُمارَس السرقة لغرضٍ نبيل إلا في السرقات الأدبية. فكل ما يبغيه السارق هنا: أن يربط نفسه بسموّ الأفكار، وأن يغفو تحت جناحي أمومتها ودورها الإلهامي المظلِّل لهامات الأمم والأفراد. مثلَ كثرٍ، كلما قاربتُ فكرة عظيمة، نصاً رائعاً، اشتهيت أن أبشّر به، أن أحمله كما تُحمل القضايا في الوجدان وأدور به بين البلاد بحثاً عمّن يشاركني لقمة الجمال الطرية. أحياناً يصيبني مسٌّ من الجنون، وأشتهي شهوة المحروم من الذِكر والنسب، أرغب أن أضع اسمي على كلام يلتحفه البشر للدفء، علّي أحصل على جزءٍ من تلك الفتنة التي تركتها في روحي النصوص العظيمة. أعلم أني ربما تفوهت لمرة بكلمات حكيمة، وأني لربما قاربت الجمال، خرمشتُ سطحه، لكن ذاك الأثر المزلزل النصوصَ الفاتنة يظل يلحّ علي، دون قدرة على الفكاك. فها هي الدرر تتساقط من الأفواه، بلا دروع، غير محمية إلا بقوة الحق، وها أنت تسير وحيداً بعقمك، لا تبتغي إلا أن يمرّ بك غريب يتمنى صحبتك، صحبة كلماتك أيها الآثم، مشتهي كلام غيرك.حالنا عجيب. قد يملك أحدنا المال والجاه، السطوة، الوسامة والرفاهية، لكننا مع كل ذلك نشتهي أن نملك مفاتيح الكلام، نشتهي تلمّظ فرادة التراكيب، والتنعم بالنسج المبهر المحاك عند عرافي اللغة، مهووسيها، جنيّي عبقر. يقول مجهول: نحن نعي أن الفن يشبه بئراً، فحين تفتح كتاباً، أو تضغط زر التشغيل لأغنية، أو تقف أمام لوحة، فإنك تُنزِل دلواً في خزان عميق من المشاعر. تستخرج الحزن والفرح، الأمل والخوف، تستحضر طيفاً كاملاً من مشاعر اختبرها البشر. روعة الفن أن هذه البئر بلا قاع، وروعة أن نكون بشراً أننا نستطيع أن نشرب منها متى شئنا.أنقل تلك الأسطر الأخيرة، أغمض عيني، وأتمنى أن أكون أنا من خطّ تلك السطور. أتمنى أن أتغاضى عن خِسّة ذلك الفعل النبيل، وأدّعي أني من قال وكتب. أشتهي أن أسرق في عتمة الليل بلا شهود، ولا ضمير. حكى كتّاب كثيرون عن ذاك الشعور القسري تجاه سرقة الكلمات، تجاه انتحال الأفكار وإحالتها إلينا. قيل مرة إن الكتّاب الجيدين يقتبسون، والعباقرة يسرقون. وقلتُ أنا، بالعودة إلى تلك البئر، إن الفنون خزان وجداننا الجمعي، لكني لم أقل شيئا بجمال الشرب من البئر متى شئنا.نعم نحن نسرق، وحين أقول نحن، فأنا أقصد كل أولئك الذين مسّهم سحر الكلام، وشدّتهم الأفكار العظيمة رغماً عنهم، كالفراشات نحو الضوء، وسيّرتهم البلاغة كالمنومين، ومع ذلك، لا أحد يريد أن يُضبط متلبساً وهو يملأ جيوبه من مكتبة عامة. نحب أن نسمي الأمر “تأثراً” حين نكون مهذّبين، و”تناصاً” حين نريد أن نبدو أكاديميين، و”حواراً مع التراث” حين نحتاج إلى قليل من الهيبة. لكن الحقيقة أبسط وأطرف: نحن قرّاء جيّدون ولأننا كذلك فنحن لصوص بارعون.الكاتب لا يسرق جملة فحسب، بل يسرق الشجاعة التي كتبت بها، والإيقاع الذي حملها، والثقة التي جعلتها تمشي في العالم من دون خوف. يسرق الإحساس بأن الكلمات يمكن أن تكون بيتاً، لا مجرد جدران متلاصقة. ثم، بعد كل هذه الغنائم، يجلس أمام صفحة بيضاء ويكتشف أنه لا يزال مطالباً بكتابة جملته الخاصة، حيث ربما تبدأ العدالة الشعرية. فكما سرقنا الآخرين، سيأتي من يتمنى سرقتنا. ستسير جملة كتبناها ذات مساء بعيد، بلا حراسة، تستقر في رأس قارئ مجهول، فيحبها إلى حدّ يتمنى لو كان صاحبها. وهكذا تكتمل الدائرة بسلسلة طويلة من الجرائم الصغيرة التي لا يفلس بعدها أحد، بل يكبر عبرها الجميع قليلاً. حيث ربما لهذا السبب لا تنضب تلك البئر. لأن كل من شرب منه، ترك شيئا من مناجاته.. # العربي # مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم