سعد الله الجابري: شموخ الكبرياء في وجه المحتل
في زمن كانت فيه الأمة العربية تئن تحت نير الاستعمار، وتتلمس طريقها نحو الحرية والاستقلال، برزت في سماء حلب الشهباء قامة وطنية شامخة لم تلن لها قناة، ولم تنحنِ لها هامة، إنه سعد الله الجابري، سليل بيت العلم والشرف من أشراف وسادات حلب، الذي وُلد عام 1892 ليكون أحد أقطاب النهضة والنضال القومي، وأحد بناة عهد الاستقلال الذي طالما حلمت به الأجيال. نشأ الفتى في كنف عائلة ميسورة عُرفت بمكانتها في العلم والديانة، وكان والده الشيخ عبد القادر لطفي الجابري عالماً دقيقاً غرس في أبنائه إحسان وفاخر وفؤاد وسعد الله بذور الوطنية في بيئة علمية ودينية أصيلة، فبدت على سعد الله منذ نعومة أظفاره مظاهر النباهة والإقدام والاستقامة والزعامة، حتى إنه كان يرافق والده إلى الاجتماعات التي كانت تُعقد للتداول في أمور البلاد أيام استبداد السلاطين، وكأن الأقدار كانت تُعده لدور أكبر من مجرد شاب حلبي ينتمي إلى أسرة عريقة.
بعد أن أنهى دراسته الثانوية في المكتب السلطاني “المأمون” بحلب، شدّ الرحال إلى الآستانة ليلتحق بالكلية الملكية السلطانية في استانبول، وهناك، بعيداً عن أزقة حلب وأسواقها، وجد نفسه منجذباً إلى أتون العمل الوطني العربي، فاتصل بالشباب العرب وكان من أوائل الأعضاء في الجمعية العربية الفتاة، ولم يكن انضمامه مجرد اسم على ورق، بل أقسم اليمين بالولاء على المصحف والخنجر مع ثلاثة عشر ضابطاً من البلاد العربية، في مشهد يجسد روح التضحية التي حملها في قلبه. وحين اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى عام 1914، وجد نفسه مجنداً في الجيش العثماني، لكن قلبه بقي معلقاً بحلب وترابها، فما إن وضعت الحرب أوزارها حتى عاد أدراجه ليجدد اتصاله بالقادة الوطنيين، وفي مقدمتهم شكري القوتلي والزعيم الأسطورة إبراهيم هنانو، لتبدأ بذلك فصول ملحمة نضالية سطرتها دماء الأبطال وأقلام المؤرخين.
لم تكن حادثة محاكمة الزعيم إبراهيم هنانو عام 1922 مجرد محاكمة عسكرية عابرة، بل كانت لحظة فارقة تجلت فيها بطولة سعد الله الجابري من نوع خاص، بطولة لم تُختبر في ميادين القتال، بل في قلب محكمة عسكرية فرنسية كانت تبحث عن ذريعة لإعدام هنانو بحجة أنه “قاطع طريق”. وفي تلك الجلسة المشحونة بالتوتر، وقف سعد الله الجابري شامخاً ليشهد لصالح هنانو بشجاعة نادرة، قائلاً بصوت يجلجل في أرجاء المحكمة: “إن هنانو يمثل الضمير الوطني السوري وإرادة الشعب السوري، إنه لم يكن رئيس عصابة وإنما كان بطلاً وطنياً”. وحين سأله رئيس المحكمة عما إذا كان الشعب قد طلب من هنانو الثورة باسمهم، جاءه الرد الصاعق: “نحن طلبنا منه مقاتلتكم”. كانت تلك الكلمات بمثابة تحمّل كامل لمسؤولية التحريض على الثورة، الأمر الذي أربك المحكمة وجعلها تدرك أن اعتقال الجابري في تلك اللحظة سيحول المحاكمة إلى محاكمة سياسية بامتياز، وهو ما كان هنانو والجابري يحرصان على إظهاره كطابعها الحقيقي. وهكذا خرج هنانو بريئاً، وخرج الجابري من تلك القاعة وقد تأكد للجميع أنه الممثل الشجاع للكتلة الوطنية في حلب، والرمز الجريء للمطالبة بالاستقلال والجلاء. ظل هذا الموقف محفوراً في ذاكرة الناس، يوازي بطولة هنانو في بطاح الشمال وجباله، شموخ كبرياء لدى رجل لم يخشَ في الحق لومة لائم.
تعددت بعد ذلك فصول النضال، ففي عام 1932 حوصرت داره واعتقل، لكنه ما إن خرج حتى شارك في وضع ميثاق الكتلة الوطنية في اجتماع حمص التاريخي. وفي عام 1934، حين أراد رئيس الوزراء الشيخ تاج الدين الحسيني ورئيس الجمهورية محمد علي العابد زيارة حلب، قاد سعد الله الجابري والكتلة الوطنية احتجاجاً عارماً، بلغ ذروته عندما احتل الوطنيون الجامع الأموي الكبير بكامله، وألقى الجابري خطاباً جريئاً هاجم فيه السلطة وأعوانها. كان الثمن ثمانية شهور في السجن، لكن سيل الاحتجاجات والبرقيات التي انهالت من المدن السورية، والإضرابات التي شلت البلاد يوم المحاكمة، أثبتت أن صوت الجابري لم يكن صوتاً فردياً، بل كان صدى لضمير أمة بأسرها. وفي المحكمة، قال بثقة النبيل: “إنني لو لم أكن مسؤولاً أدبياً عن الناس الحاضرين في الجامع لكان حدث ما لا يسُر، ولكانت أريقت دماء، ولقد هدَّأت الشارع أنا والزعيم هنانو ورفقائي”. وكأن الأقدار كانت تختبر صلابته من جديد، ففي عام 1935، وبعد رحيل رفيق دربه إبراهيم هنانو، عادوا لاعتقاله ونفيه إلى “عين ديوار” في الجزيرة السورية، لأنه رفض أن يوقع على وثيقة يتعهد فيها بإنهاء الإضراب في الأسواق، وكأن سجونه ومنافيه كانت مجرد محطات في رحلة طويلة نحو شاطئ العزة والكرامة.
ولأن التاريخ يكتبه الشجعان، فقد كان سعد الله الجابري على موعد مع المجد القومي العربي. ففي عام 1943، عهد إليه الرئيس شكري القوتلي بتشكيل الوزارة، وفي عام 1944 توجه إلى الإسكندرية ليسهم بدور محوري في وضع بروتوكول جامعة الدول العربية. وهنا يبرز شهادة الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة الذي قال: “لولا سعد الله الجابري لما دخلت قضية المغرب إلى مجلس الجامعة… في ذلك الحين انطلق صوت سورية بلسان سعد الله الجابري في مجلس الجامعة العربية دفاعاً عن المغرب العربي… ومن ذلك اليوم بدأت صفحة جديدة في تاريخ نضال الأمة العربية الحديثة سطرتها يد سعد الله الجابري”. لكن مواقف الرجل لم تتوقف عند حدود العمل الدبلوماسي، ففي التاسع من شباط عام 1945، وجّه الجنرال أوليفا روجيه إنذاراً إلى الجابري بصفته رئيساً للمجلس النيابي آنذاك، يطالبه بتسليم المجلس وإخلائه. كان رد الجابري هو الرفض المطلق، فقصفت مدافع الدبابات المجلس النيابي وقتلت حاميته في مجزرة بشعة استدعت تدخل الدول الكبرى ومجلس الأمن. ولطالما عُرف عن الرجل كبرياؤه وشموخه حتى مع الحلفاء، فحين زاره اللورد مونتباتن، السياسي البريطاني البارز، في بيته قبل تحقيق الجلاء، وأخبره أن بريطانيا ستخرج الفرنسيين من سورية ولكن لها مطالب، جاءه الرد اللائق من سعد الله الجابري: “نحن لا نريد أن تخرج فرنسا ليدخل غيرها مكانها”.
وإذا كان للوطن أن ينسى، فإن لتاريخ حلب أن يروي
كيف كان هذا الرجل ينفق من ماله الخاص على الحركة الوطنية، ويبيع أملاكه لينفق ثمنها على الثوار، وكيف كان يوزع رواتبه وتعويضاته على صغار الموظفين في معيته كلما تولى رئاسة الوزارة أو رئاسة المجلس. لقد كان شغوفاً بحلب حداً لم يشأ أن يشاركه فيه زوج ولا ولد، وظل رابضاً في عرينها حتى وصلت سفينة الوطن إلى بر الأمان. وفي عام 1946، بدأ المرض يتسلل إلى جسده وهو يشارك في اجتماعات الجامعة العربية في الإسكندرية، حتى وافته المنية عام 1947، ليُدفن إلى جانب رفيق جهاده الأبدي إبراهيم هنانو في حديقة تحمل اسم الزعيم في حلب. وهكذا طويت صفحة رجل دولة من طراز فريد، لم تنل منه المنافي الشظفة ولا السجون المظلمة، وبقي صوته مدوياً في أرجاء الوطن العربي، شاهداً على أن سورية كانت وستبقى منبع الرجال الذين لا تلين قناتهم حتى ترفرف رايات الحرية.
المصدر:صفحة المؤرخ عامر رشيد مبيض
التحرير:#سوريات_souriat


