بقلم: سالي جابر – أخصائية نفسية
في زمنٍ تزداد فيه التحديات التربوية، تظلّ السيرة النبوية مرجعًا خالدًا يضيء دروب المربين.
لم يكن النبي ﷺ مربيًا بالكلام فقط، بل كان قدوة في الفعل والمشاعر، يزرع في قلوب الأطفال الأمان والثقة قبل أن يعلّمهم السلوك والأدب.
في كل موقف من حياته مع الصغار، نجد درسًا نفسيًا وإنسانيًا يسبق عصره بمئات السنين.
أولًا: النداء بلطفٍ واحترام:
كان رسول الله ﷺ يخاطب الأطفال بأحب الأسماء إليهم، ويستخدم كلماتٍ تُشعرهم بالقرب والمودة.
فقد كان ينادي أنس بن مالك بقوله:
«يا بُنيّ».
كلمة بسيطة لكنها تحمل رسالة قوية: أن الطفل يستحق الاحترام، وأن مكانته لا تقلّ عن الكبار.
ثانيًا: المشاركة في اللعب:
كان النبي ﷺ يشارك الأطفال لحظات المرح، فيركب الحسن والحسين على ظهره ويقول:
«نِعْم الجملُ جملُكما، ونِعْم العِدلان أنتما.»
في هذا المشهد تتجلى التربية بالحب والمرح، لا بالأوامر والنواهي.
اللعب في نظره ﷺ لم يكن مضيعة للوقت، بل جسرًا للتواصل مع قلوب الأطفال.
ثالثًا: احتواء المشاعر:
مرَّ النبي ﷺ بطفل حزين فقد طائره الصغير، فقال له ممازحًا ومواسيًا:
«يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟»
لم يسخر من حزنه، ولم يقل له “عيب تبكي”، بل احترم مشاعره، وعلّمه أن الحزن شعور طبيعي يمكن التعبير عنه.
إنه درس في الذكاء العاطفي سبق علم النفس الحديث بقرون.
️ رابعًا: التربية بالقدوة:
كان ﷺ يحمل أمامة بنت زينب في صلاته، يركع فيضعها، ثم يرفعها فيقوم.
لم يقل كلمة واحدة عن الرحمة، لكنه جسّدها بالفعل.
بهذا الموقف علّم الأمة أن القدوة أقوى من التوجيه، وأن التربية الصامتة أبلغ من ألف نصيحة.
خامسًا: غرس القيم بالمحبة:
قال ﷺ لابن عباس وهو غلام صغير:
«يا غلام، إني أعلّمك كلمات…»
بدأ الحديث بالنداء اللطيف قبل النصيحة، فمهّد قلب الطفل لتلقّي العلم بالمحبة لا بالخوف.
هكذا ربّى النبي ﷺ جيلًا تربّى على الثقة، لا على الرهبة.
في مواقفه ﷺ تتجلّى أعمق صور التربية الوجدانية التي تبحث عنها مدارس التربية الحديثة اليوم.
كان يُعلّم الأطفال بالحب قبل الأمر، وبالرحمة قبل التوجيه.
وما أحوجنا اليوم أن نعيد قراءة سيرته بعين المربي، لا الراوي، فنغرس في أبنائنا ما غرسه هو في أصحابه الصغار:
الرحمة، والأمان، وحبّ الخير.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


