الدكتورة رشا عامر توضح بعض المغالطات حول الاشارات الزلزالية.

كوني حاصلة على شهادة دكتوراه في علم الزلازل، وعملت لسنوات في معالجة وتحليل البيانات الزلزالية في اليابان، سأحاول باختصار الإجابة علميًا على بعض الأسئلة الشائعة والمغالطات المنتشرة بكثرة، خاصة في ظل تصاعد الحديث عن “التنبؤ بالزلازل”، سواء من مختصين أو غير مختصين، مع كامل الاحترام لجميع التخصصات.بداية” يجب علينا التفريق بين التنبؤ (تحديد الزمان والمكان والقوة بدقة) وهو أمر مستحيل حالياً، وبين التوقعات الإحصائية أو فهم السلوك العام للفوالق و هو امر ممكن من خلال البحث العلمي و تحليل البيانات الدقيق . ١- هل حدوث زلازل صغيرة يُعدّ دليلًا على قرب حدوث زلزال كبير؟الجواب: لا.النشاط الزلزالي الصغير بحد ذاته لا يُعد مؤشرًا مباشرًا أو حتميًا على زلزال كبير.٢- هل تسبق بعض الزلازل الكبيرة زلازل صغيرة؟الجواب: نعم.في بعض الحالات تُسجَّل زلازل تمهيدية (Foreshocks)، ولكن لا يمكن تمييزها عن الزلازل العادية إلا بعد وقوع الزلزال الأكبر.٣- هل تسبق جميع الزلازل الكبيرة زلازل صغيرة؟الجواب: لا.العديد من الزلازل الكبيرة حدثت دون أي نشاط تمهيدي واضح.٤- هل يمكن أن تُسهم الزلازل الصغيرة في تفريغ الطاقة وتخفيف الضغوط؟الجواب: نعم، جزئيًا.بعض الزلازل الصغيرة قد تُخفف جزءًا من الإجهاد التكتوني، لكن تأثيرها يكون محليًا ومحدودًا. حيث نحتاج إلى آلاف الزلازل الصغيرة (مثلاً قوتها 3 ريختر) لتفريغ طاقة زلزال واحد كبير (قوته 7 ريختر)، لأن العلاقة بين القوة والطاقة علاقة لوغاريتمية. ٥- هل يعني حدوث زلزال تفريغ جميع الضغوط المخزنة؟الجواب: ليس بالضرورة.غالبًا يبقى جزء من الإجهاد متراكمًا على الفالق أو على فوالق مجاورة.٦- ما الفائدة من مراقبة النشاط الزلزالي إذا كان التنبؤ غير ممكن؟رغم أن التنبؤ الدقيق بزمان ومكان وقوة الزلازل غير ممكن علميًا حتى الآن، فإن التحليل المتقدم للبيانات الزلزالية يسمح بفهم: – آلية توزع الإجهادات التكتونية – سلوك الفوالق النشطة – أنماط النشاط الزلزالي على المدى المتوسط والطويللكن هذا يتم عبر تحليل تسجيلات زلزالية فعلية باستخدام: – نماذج فيزيائية – طرق رياضية وإحصائية – برامج علمية معتمدةوليس عبر استنتاجات نظرية أو قراءات سطحية كما يتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي.٧- ماذا نستفيد عمليًا من كل هذا؟بنية الأرض معقدة وغير منتظمة فالأرض ليست متجانسة. مما يجعل محاكاة حركة الصدوع صعب للغاية , اضافة ان الفوالق نفسها أنظمة شديدة التعقيد ذات تفرعات متعددة.لا يمكن تحديد: ١- كمية الطاقة المختزنة بدقة ٢- ولا زمن أو مكان تفريغهاوهذا ما يُعرف في علم الزلازل بمفهوم عدم اليقين (Uncertainty)، وهو مبدأ علمي أساسي، وليس ضعفًا في العلم.٨- إذًا ما الحل الحقيقي للتخفيف من أخطار الزلازل؟من وجهة نظري كمتخصصة، الحل لا يكمن في التنبؤ بالزلازل، لأن ذلك غير ممكن علميًا حاليًا، كما أن التهويل والإخلاء لفترات طويلة قد يكون أكثر ضررًا من الفائدة.الحل يرتكز على محورين أساسيين:١- الزلازل لا تقتل الناس، بل المباني غير المهيأة هي التي تفعل ذلك ! , لذلك تشييد مبانٍ مقاومة للزلازل هو الاهم لتخفيف أخطار الزلزال هذا يجب ان يتم وفقاً لأعلى المعايير الهندسية، وهو ما حققته دول متقدمة بدرجات متفاوتة، لكنه لا يزال يحتاج: – إلى تطوير مستمر – وإلى تطبيق صارم على جميع المنشآت دون استثناء٢- تطوير أنظمة الإنذار المبكروهي أنظمة لا تتنبأ بالزلازل، بل ترصد الموجات الأولى غير المدمرة ( الطولية) وتمنح: – بضع ثوانٍ إلى عشرات الثواني كحد أقصى – وهي مدة قد تكون كافية لإيقاف القطارات، فصل الغاز، أو الاحتماء، خاصة في الطوابق العاليةحتى الآن، لا توجد أنظمة تمنح دقائق أو ساعات قبل الزلزال كما يُشاع. و هذا ما يجب على الأبحاث العلمية العمل عليه أيضاً و نأمل ان نراه بالمستقبل القريب من خلال التعاون العلمي. و في الختام العلم لا يقوم على التهويل ولا على التنجيم، بل على البيانات، التحليل ، النماذج و البحث العلمي الدقيق . دمتم بخير وأمان، وبعيدًا عن الإشاعات الغير العلمية #د. رشا عامر#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم