الخوارزميات وتشكيل ذوق الأطفال

مجدي القسوس 

لم تعد الشاشة الصغيرة وحدها هي المصدر الرئيسي للترفيه عند الأطفال، فقد تغيّرت قواعد اللعبة مع صعود المنصات الرقمية التي أتاحت محتوى غير محدود، متاح في أي وقت ومن أي مكان.

هذا التحوّل لم يكن مجرد تطوّر تقني، بل أحدث تغيّراً جذرياً في طريقة تفاعل الأطفال مع المحتوى، وهو ما تحدثنا به مع الدكتورة ربا زيدان، أستاذة الإعلام الرقمي، التي تناولت جوانب أساسية لشرح التأثيرات التي طرأت على تجربة الأطفال.

وتقول زيدان لبي بي سي إن أول وأهم عامل في هذا التحول هو الانتقال من نموذج البث المباشر إلى نمط المشاهدة حسب الطلب.

وتوضّح: “في الماضي، كانت قنوات الكرتون تعتمد على جداول برامج ثابتة، ما كان يفرض على الأطفال انتظار مواعيد العرض ويخلق نوعاً من “الانضباط الزمني” والروتين اليومي، إضافة إلى تجربة مشاهدة جماعية. إذ كان الأطفال في الجيل السابق يتابعون البرامج المشتركة مثل “الكابتن ماجد” أو “غراندايزر”، ما أسهم في تشكيل ذاكرة سردية جماعية ومشتركة بينهم”.

لكن مع ظهور منصات البث مثل نتفليكس ويوتيوب كيدز وديزني+، تغيرت هذه التجربة تماماً، بحسب زيدان، فأصبح الأطفال يختارون ما يريدون مشاهدته في أي وقت، وتكرار المشاهد أو حتى تخطيها.

“هذا التغيير أثّر على قدرة الأطفال على الصبر والتركيز على القصص الطويلة، مقارنة بالأجيال السابقة التي كانت تعتمد على برامج محدودة”، وفق زيدان 

وتشير إلى أن التجربة الجماعية التي كانت تجمع الأطفال حول شخصيات كرتونية مثل “سالي” و”الكابتن ماجد” قد تراجعت، بسبب اختلاف المحتوى الذي يشاهده كل طفل الآن، ما أدى إلى غياب المرجعيات الثقافية المشتركة بين الأجيال الجديدة.

وفيما يتعلق بتأثير وفرة المحتوى، تؤكد أن الأطفال اليوم يعانون من تشتت الانتباه بسبب الخيارات الكثيرة التي تتوافر لهم.

“الكثير من المحتوى المتاح على منصات مثل يوتيوب يتم إنتاجه من قبل المستخدمين، وغالباً ما يفتقر إلى معايير تربوية أو فنية، ما جعل الأطفال أسرى لمحتوى سريع الاستهلاك، يفتقر إلى العمق السردي أو القيمي”، بحسب زيدان.

أما عن تأثير الخوارزميات، فتشرح أستاذة الإعلام الرقمي أنها تلعب دوراً كبيراً في تشكيل ذوق الأطفال، إذ تتحول تجربة الطفل من استكشاف المحتوى إلى استهلاكه ضمن “فقاعة ذوقية مغلقة”، تعتمد على تفضيلاته الشخصية. حيث أنه يتم تتحديد المواضيع التي ستظهر للطفل لاحقاً بناء على نقراته واختياراته الشخصية خلال مشاهدته.

وتقول إن الخوارزميات لا تهتم بالسياق الثقافي أو التاريخي للمحتوى، بل تركز فقط على تقديم ما يشابه ما تم مشاهدته سابقاً، مضيفةً أن “الكلاسيكيات من أفلام الكرتون لا يطلبها أطفالنا على الأغلب لأنها غير معروفة أصلاً لهم، ولا تُعرض في الأغلب” لذا فهي لن تظهر لهم عشوائياً بناء على الخوارزميات، و”بالنتيجة تؤدي إلى انفصال معرفي عن تراث بصري كامل”.

وتوضح زيدان أن هناك تحوّلاً في نوعية المحتوى نفسه، إذ يركز المنتجون على ما تريده البيانات والسوق الاستهلاكية، فيتم تكييف الرسوم المتحركة كي تناسب تفضيلات الخوارزميات أكثر مما تتكيف مع ذوق الطفل أو القيم الفنية السائدة في الماضي.

#مجلة إيليت فوتو آرت 

أخر المقالات

منكم وإليكم