ذاكرة مقهى الروضة
أثر الرحيل
( 3 )
- كلما راح يوم راح بعضك .
عبارة رافقتني طويلاً .. هي إحدى الحكم التي رددها أمامي أكثر من مرة ربان حياتي ” الخواجة أبو الياس ” ..
هذا ما قلته في آخر لقاء جمعني مع الشريك اليومي الكاتب والفنان الكبير الحبيب هاني السعدي ، فأجاب : - الرحيل هو الرحيل .. أمر لا مفر منه ..
- أخطر النتائج رحيل الانسان عن نفسه ( هكذا جاءت إجابتي ).
- إنه أقسى أنواع الرحيل ( قالها وكأننا نكتب حواراً درامياً مشتركاً ) .
- عندما نتنكر لبعضنا أقسى من كل ذلك …
- لكنني لم أتخيل يوماً أنهم يرحلون تباعاً عن هذا المقهى بكل هذه السرعة ..
عبارات تراشقنا بها في بوح معلن ، في حين أدركنا جيداً أن الجميع يهزمون أمام الموت ، وقبل أن يغادر قال : إذا ذكرت الموتى بعد اليوم فعدّ نفسك أحدهم.
وكانت إجابتي : لن تتوقف الحياة ما حيينا .. وقد تتوقف بنظرنا في لحظات حزن ، لكن علينا أنو نوقظ قلوبنا خوفاً من توقف الخفقان .***
ذات مرة تحدثت مع الحبيب هاني حول التدرب على النسيان كي نستطيع الاستمرار بالعيش.. لكن ذاكرته غابت …. ولم يغب أبداً عن ذاكرتي .
ولا أزال أذكر حواراتنا في الجلسات الكثيرة التي جمعتني معه ومع معظم كتاب الرواية والحكاية الدرامية السورية من الرواد المؤسسين الأوائل ، وتباعاً الأجيال التي جاءت بعدهم ..
وفي كل مرة كنا نكتشف أن أجمل المشاهد الدرامية وأهم الحوارات حول واقع ومصير وتطور درامنا بين الرواية والاستسهال والثرثرة الإذاعية الاستهلاكية نقشت حروف كلماتها ونوتات سيناريوهاتها هنا في مقهى الروضة .
في مكان قريب من مدخل المقهى وعند الواجهة الزجاجية, اعتاد الجلوس لوقت صباحي قصير صاحب أشهر برنامج درامي إذاعي ” حكم العدالة ” الأديب والإستشاري القانوني الأستاذ المحامي هائل منيب اليوسفي ، وفي بعض الأحيان ينضم إليه مخرجو الإذاعة ممن تعاقبوا على البرنامج ، الكبار ” محمد عنقا ، هشام شربتجي ، مصطفى فهمي البكار ، مروان قنوع ، عادل عبد الوهاب …. ” .. وكثيراً نجد جالساً إلى جانبيه كبار نجوم الدراما المشاركين عادة في حلقاته .
هنا في وسط المقهى ، تجمع لمرات ومرات الكتاب الأوائل ، من دمشق ومدن ومناطق متباعدة عدة ” حكمت محسن ، نهاد قلعي ، وليد مدفعي ، زكريا تامر ، نجاة قصاب حسن ، أحمد قبلاوي ، فوزي الدبعي ، محمد الماغوط ، عبد العزيز هلال ، د . زهير أمير براق ، علي عقله عرسان ، خالد حمدي الأيوبي كاكا ، أكرم شريم ، عبد النبي حجازي ، عدنان حبال ، حسين راجي ، سعيد حورانية ، داود شيخاني ، عادل أبو شنب ، فرحان بلبل ، عمر قنوع .
وفي مقربة منهم باتجاه العمق ، جلس في حلقة كبيرة عبد العزيز هلال ، علي كنعان ، جان ألكسان ، عبد الرحمن الضحاك ، فواز عيد ، دياب عيد .
وقد نجد في مقربة منهم عبد الكريم ناصيف ، خيري الذهبي ، وديع اسمندر، قمر الزمان علوش…
وفي مكان آخر أحمد يوسف داوود ، معن نظام الدين ، مروان ناصح ، لؤي عيادة .. وفي بعض الأحيان نجد هنا كبار المخرجين ” علاء الدين كوكش ، غسان جبري ، لطفي لطفي ، شكيب غنام ، محمد فردوس أتاسي ، رياض ديار بكرلي ، هاني الروماني ، طلحت حمدي … ” .
هناك عند البحرة جلس مرات عدة السينمائي الكبير مصطفى العقاد وكالعادة تحلق حوله أهل الفن والأدب والإعلام وخاصة أصحابه من حلب ، الكبار ” فاتح المدرس ، نذير عقيل ، وليد إخلاصي ، عبد الفتاح قلعجي ، عبد الرحمن حمود …. “
هنا وهناك .. عبرت في أوقات متفرقة خطوات العلامة الفارقة في الدراما السورية ” ممدوح عدوان ، ممدوح حمادة ، حسن سامي يوسف وشريكه نجيب نصير ، مازن طه ، أحمد حامد ، سامر ر ضوان ، غسان الجباعي ، فادي قوشقجي ، نهاد سيريس ، رافي وهبة ، عماد نداف ، خالد خليفة ، عدنان العودة ، فؤاد حميرة ، خلدون قتلان ، هوازن عكو ، أحمد السيد ، رازي ورده ، حكم البابا… ” ……
وأسماء عديدة غابت عن ذاكرتي ، لكن ملامح وجوههم لاتزال تتشكل وتغيب كما غابت تماماً ذاكرة الكبير قلباً وأثراً إبداعياً الحبيب هاني السعدي .. إلى أن غاب عنا جسداً ، تاركاً لنا مشاهد حلقات أعماله الكثيرة ، والتي يصعب حصرها ، تطوف معها روحه النقية الحية هنا … وفي قلبي ….
وبقيت تتردد في ذاكرتي بصمات عبارة ربان حياتي ” الخواجة أبو الياس ” : أسوأ أمر نعيشه إننا لا نعرف قيمة الذين نحبهم إلا بعد غيابهم عنا.
وغاب ولم يغب لحظة من نبضي وروحي .. تاركاً لي صمت حكمته .. ساعات من ذاكرة الوفاء والحب …. وشراسة الشوق الأبدي الشاق .
• يتبع .


