عندما ألقى المغول الموت على أوروبا:
في عام 1346م، كانت مدينة كافا، الواقعة على ساحل شبه جزيرة القرم، جوهرة تجارية في يد الجنويين الإيطاليين. كانت أسوارها المتينة تحمي تجاراً ينقلون الحرير والتوابل والذهب بين الشرق والغرب. لكن في تلك السنة، حلّ فوقها شبحٌ ثقيل: جيشٌ هائل من إمبراطورية المغول، أو ما يُعرف بالحشد الذهبي، بقيادة القائد جاني بيج (جاني بك خان).
كان جاني بيج يرى في كافا مفتاحاً للسيطرة على طرق التجارة في البحر الأسود، فأحكم الحصار حولها. آلاف الخيول والمحاربين أغلقوا كل مدخل، وقطعوا الإمدادات، وانتظروا أن ينحني الأعداء تحت وطأة الجوع واليأس. مرت الأشهر، والمدينة صامدة، وأهلها يقاتلون بشراسة خلف الأسوار.
لكن داخل معسكر المغول، بدأ شيءٌ مرعب يتحرك في الخفاء. أولاً سقط جندي هنا، ثم آخر هناك. الحمى تأكل الجسد، والتورّمات السوداء تظهر في الإبط والفخذ، ثم يبدأ التعفن السريع. كان الموت يسري بين الجنود كالريح السامة. الطا.عون – الذي سيُعرف لاحقاً بـ”المو.ت الأسود” – قد ضرب الجيش المنتصر قبل أن ينتصر.
صُعق جاني بيج. جيشه يذوب أمام عينيه دون قتال حقيقي. الهزيمة تلوح في الأفق، والانسحاب يبدو الخيار الوحيد. لكن في تلك اللحظة القاسية، اتخذ قراراً لم يسبقه إليه أحد في التاريخ المعروف: أمر رجاله بجمع جث.ث القتلى المصابين بالو.باء، وربطها بالحبال، ثم إطلاقها بقوة المنجنيقات العملاقة فوق أسوار كافا.
تساقطت الجث.ث المتفسخة داخل المدينة كالمطر الأسو.د. رائحة المو.ت تملأ الهواء، والعد.وى تنتقل بسرعة مخيفة. داخل الأسوار، بدأ السكان يسقطون واحداً تلو الآخر. الذعر يعم الجميع. بعضهم حاول الهرب على متن السفن الراسية في الميناء، يأملون النجاة في موانئ إيطاليا أو فرنسا أو أي مكان آخر.
لكن الو.باء كان قد سكن أجسادهم بالفعل.
وصلت تلك السفن إلى موانئ البحر المتوسط محمّلة بالتجار واللاجئين… وبالمو.ت. من جنوة إلى البندقية، ثم إلى مرسيليا وبرشلونة وما بعدها، انتشر الطا.عون كالنار في حقل جاف. في غضون سنوات قليلة، حصد أرواح ما يقارب ثلث سكان أوروبا. الشوارع امتلأت بالجث.ث، والكنائس امتلأت بالمصلين الخائفين، والأطباء هربوا أو ماتوا، والناس رأوا في كل ذلك عقاباً إلهياً.
كانت كافا، التي صمدت أمام جيش المغول، قد أصبحت – دون قصد – بوابة المو.ت الأكبر الذي عرفه العالم حتى ذلك الحين.
وظلّ جاني بيج، الذي انسحب في النهاية مهزوماً أمام الو.باء، يُذكر في كتب التاريخ ليس بانتصاره، بل بذلك الفعل الشنيع الذي ربما كان أول محاولة مسجلة لاستخدام المر.ض سلاحاً… سلاحاً لا يفرّق بين صديق وعد.و، ولا يتوقف عند حدود المدن أو الإمبراطوريات.
#مجلة إيليت فوتو آرت


