التفكك الأسري .. أزمة صامتة تهدد استقرار المجتمع

بقلم / دكتور طارق درويش استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري 

لم يعد التفكك الأسري مجرد مشكلة عابرة داخل جدران البيوت، بل تحوّل إلى ظاهرة مقلقة تتسلل بهدوء إلى قلب المجتمع، تاركةً وراءها آثارًا نفسية واجتماعية يصعب تجاهلها. ومع تسارع وتيرة الحياة وضغوطها المتزايدة، أصبحت الأسرة — التي كانت يومًا الحصن الأول للأمان — مهددة بالتصدع والانهيار.

في المشهد اليومي، لم تعد الخلافات الزوجية أمرًا استثنائيًا، بل باتت واقعًا متكررًا، يتفاقم في كثير من الأحيان نتيجة غياب الحوار، وضعف الوعي بأساليب إدارة الخلاف. وبين صمتٍ ثقيل أو صراعٍ مستمر، تتآكل الروابط تدريجيًا حتى تصل إلى مرحلة التفكك، سواء بشكل معلن عبر الطلاق، أو بشكل خفي داخل بيتٍ يجمع أفراده بلا روح.

الخبراء يؤكدون أن التفكك الأسري لا يُختزل في الانفصال فقط، بل يمتد ليشمل كل حالة يغيب فيها التفاهم، وتضعف فيها المشاعر، ويحلّ فيها البرود محل الاحتواء. وهنا تبدأ التداعيات الأخطر، خاصة على الأبناء، الذين يجدون أنفسهم في بيئة غير مستقرة، تفتقر إلى الأمان النفسي والدعم العاطفي.

وتشير مؤشرات الواقع إلى أن الضغوط الاقتصادية، والتغيرات الثقافية، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، كلها عوامل ساهمت في زيادة حدة هذه الظاهرة. فالمقارنات المستمرة، والتوقعات غير الواقعية، وسهولة الهروب من المشكلات بدل مواجهتها، أدت إلى هشاشة العلاقات الأسرية بشكل غير مسبوق.

لكن، ورغم قتامة المشهد، فإن الحل لا يزال ممكنًا. فتعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة، واللجوء إلى الإرشاد الأسري في الوقت المناسب، ونشر الوعي النفسي قبل الزواج، تمثل أدوات فعالة للوقاية من الانهيار. كما أن استعادة القيم القائمة على الاحترام والتفاهم يمكن أن تعيد للأسرة دورها الطبيعي كبيئة آمنة ومستقرة.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نتحرك قبل أن تتحول هذه الأزمة الصامتة إلى واقع يصعب إصلاحه؟

الإجابة تبدأ من داخل كل بيت… حيث يُصنع الاستقرار، أو يبدأ الانهيار.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم