التشكيلية العراقية بان الحلي ،و تطوّر تجربتها الفنية منذ بداية شغفها بالفن.

بان الحلي . . شغف التنقّل بين المدارس الفنية الحديثة-

عدنان حسين احمد

مجموعة من الأعمال الفنية المعروضة في المعرض، تتضمن لوحات فنية ومنحوتات وقطع فنية متنوعة.

لندن:على الرغم من تواجدي الدائم بلندن حيث تُقيم الفنانة التشكيلية العراقية بان الحلي إلّا أنني لم أحظَ بمشاهدة أي عملٍ من أعمالها الفنية إلّا في 23 مارس 2024 حينما نظّم الفنان فيصل لعيبي معرضًا جماعيًا لمناسبة الذكرى التسعين لميلاد الحزب الشيوعي العراقي وقد ضمّ المعرض الذي أُقيم في المركز الثقافي الپولوني بلندن لوحات وأعمالًا فنية لـ 21 فنانًا من كلا الجنسين وكانت ثمة لوحة جميلة لبان الحلي تحمل عنوان Resonate التي تعني (صدى) وكان لها فعلًا صدىً مُدويًا عليّ أنا، في أقل تقدير، فاللوحة تُوحي للمتلقي بأنَّ مُبدعتها قادرة على التنقّل بين مذاهب فنية متعددة كالرمزية، والتكعيبية، والتعبيرية، والتعبيرية التجريدية وما إلى ذلك.ثم جاءت الفرصة الثانية قبل أيام حينما دُعيت من قِبَلها لزيارة (معرض الفن العربي) الذي نظّمه الأستاذ فرحات فرحات في (قاعة مدينة تشيلسي القديمة) بلندن أيضًا وضمّ 40 فنانًا يمثلون 11 دولة بينهم الفنانة العراقية الوحيدة بان الحلي التي اشتركت بلوحة واحدة تحمل عنوان (الغرق). وقد حظيت هذه اللوحة التعبيرية باهتمام الصحفيين ومتابعي الفن التشكيلي وبعض النقّاد الذين توقفوا عند هذا العمل المُثير للجدل شكلًا ومضمونًا.لا بدّ من الإشارة إلى أنني تابعت محاضرة للفنانة بان الحلي عبر تقنية الـ zoom بعنوان (دور الفنانة التشكيلية المُغتربة في الحركة الفنية) يوم الجمعة المصادف 27 ديسمبر / كانون الأول 2024 أدارها القاص الدكتور عامر هشام الصفّار. وقد لفت انتباهي أنها قسّمت تجربتها الفنية إلى مرحلتين مهمتين وهما: (مرحلة البحث والتجريب) و (مرحلة الدراسة الجامعية والتخرّج بدرجة امتياز). وتأتي أهمية هاتين المرحلتين في رصد تطوّر تجربتها الفنية منذ بداية شغفها بالفن التشكيلي في أوائل التسعينات من القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر الذي تواصل فيه الدراسة في جامعة UCL لنيل شهادة الماجستير في الفن التشكيلي.وعلى الرغم من أنها قسّمت (مرحلة البحث والتجريب) إلى ثمانية محاور إلّا أنَّ فحواها ينطوي على تثقيف الذات وتطويرها بواسطة القراءة والإطلاع على تجارب الفنانين العالميين، وزيارة المعارض والمتاحف الفنية وما إلى ذلك. ومَن يتابع تجربة (بان) الفنية سيجد أنها أسّست لنفسها خلفية ثقافية يُعتدُّ بها حقًا، فهي تعترف بأنَّ تخطيطاتها وبعض رسوماتها الأولى بسيطة ومتواضعة ولا تتجاوز البُعد الزخرفي أو التزييني Decorative ولكنها أبقتْ عليها ولم تشطبها من سيرتها الإبداعية جريًا على ما فعلهُ الفنانون الكبار الذين احتفظوا برسوماتهم وتجاربهم الأولى لكي يكتشفوا حجم التطور الذي وصلوا إليه في سنوات النُضج والبراعة الاحترافية. فتخطيطات من قبيل (الربيع) و (الخريف) و (أنت وأنا) هي أعمال زُخرفية احتفظت بها (بان) في أرشيفها الفني ولم تفرّط بها على الإطلاق وإنما تركتْها كأنموذج لقياس تطوّرها الفني والأسلوبي على حدٍ سواء.التطلّع إلى الآفاق المفتوحةتَعتبر بان الحلي مرحلة الدراسة الجامعية أساسية في تطوير تجربتها الفنية لأن الموهبة وحدها لا تكفي للمضي قُدُمًا حتى نهاية الطريق. فالدراسة، والخبرة البصرية المتراكمة تُشذِّب الفنان وتنقذه من الأثقال الزائدة التي ينوء بحملها إلى الدرجة التي تُحنى ظهره وتحرمهُ من فرصة التطلع إلى الآفاق المفتوحة.وبما أنّ مرحلة الدراسة الجامعية طويلة وتمتد لأربع سنوات فإننا سنتوقف عن أبرز الأعمال الفنية التي أنجزتها خلال السنوات المحصورة بين 2021- 2024 لكي نوفِّر للقارئ الكريم فرصة الإطلاع على طبيعة منجزها الفني في الرسم والنحت والسيراميك.لا شكّ في أنَّ المتابعين لتجربة بان الحلي خلال السنوات الست الأخيرة في الأقل يعرفون بأنها فنانة تعبيرية، وتعبيرية تجريدية أيضًا وقد شغفت بهذين المذهبين الفنيين مُذ تفتحت موهبتها الفنية في تسعينات القرن الماضي وأخذت تميّز بين الأعمال الفنية الناجحة والقادرة على الحياة لمدة زمنية طويلة، وبين الأعمال البسيطة المتواضعة التي تجد طريقها إلى النسيان بسرعة كبيرة. فلا غرابة أن تُعنى بلغة الجسد Body Language وقد ركّزت على (اليدين والساقين) أو الأرجل عمومًا في أحد المشاريع الدراسية، ثم عادت إلى (الوجه) بمعالمه الكثيرة التي تتأثر بانفعالات الكائن البشري سواء أكان رجلًا أم امرأة. فالوجه الذي يحتوي على الفم والعينين والخدّين والجبين والحاجبين هو منجم حقيقي للانفعالات والأحاسيس والعواطف يمكن الاستغناء عن هذا الكنز الهائل الذي يمكنهُ أن يُعبِّر عن المشاعر الإنسانية أصدق تعبير.كثيرة هي اللوحات والأعمال الفنية التي أنجزتها بان الحلي في أثناء دراستها الجامعية لكننا سنركز على البعض منها ونتمعن في عملين فنيين اشتغلتهما بعناية فائقة وهما (على الحافة 1 و 2).تنتمي هذه اللوحة إلى الفضاء التعبيري التجريدي الذي أشرنا إليه غير مرة وكشفنا عن ولع الفنانة به وانغماسها بتفاصيله الصغيرة والكبيرة. كما أنها ترصد في هذه اللوحة الرمزية، إن جاز التعبير، حالة التأرجح بين (الثبات والسقوط) كما تذهب الفنانة، وبين اتخاذ (القرار وحسمه أو التردّد فيه) وكأنّ هذه المرأة شخصية هاملتية لا تستطيع أن تستقر على رأي أو تثبت على فكرة محددة. مَنْ يتمعّن في طائفة أعمال الفنانة بان الحلي سيكتشف من دون لأي رصدها وانغماسها في حالة (التذبذب) أو (الوقوف على الحافة) كحالة نفسية يمكن استعمالها كرمز وجودي مكثف يبحث عن توازنه في حياتنا المعاصرة القلقة التي لا تعرف إلى السكينة سبيلا.تُحمّل الفنانة بان الحلي لوحة (على الحافة 2) بمعطيات فكرية عميقة قد لا يعثر عليها المتلقّي بسهولة ما لم يبذل جهدًا كبيرًا في تأمل اللوحة وتفكيكها بحِرَفية العارف بالفن التشكيلي والقادر على تأويله بطريقة منطقية تُمكِّنهُ من إقناع المُشاهد الذي يرى العمل الفني ولا يستطيع أن يغوص في طبقاته المتعددة والأفكار والخطابات البَصَرية المُتراكمة فيه.ثنائية الحضور والغيابأمّا اللوحة الثانية التي تُدير فيها الشخصية الوحيدة ظهرها إلى المتلقي وكأنها تستعرض العباءة الملونة التي تنسدل على كتفيها وكأنها تغادر بإرادتها المشهد الذي صنعتْهُ وتركتْ للمتلقين حرية تأويله بالطريقة التي يرونها مناسبة في رصد ثنائية الحضور والغياب مع الأخذ بنظر الاعتبار أنَّ آلية الصمت هي أقوى وأشدّ وطأة من تقنية البوح الذي يفسِّر لنا صعوبة الوضع النفسي التي تعيشهُ هذه الشخصية المُرهفة التي تُعبِّر بطريقة ما عن همومها الثقافية والاجتماعية والروحية، ولعلها تتعدى ذلك إلى الهمّ الفكري الذي ينتاب شخصية مُتنوِّرة من هذا النوع ارتأت الانسحاب بصمت بليغ قد يُوحي بالتراجع أو الاستسلام الذي يتجاوز حدوده الفردية ليشمل الفضاء الجمعي العام.تنهمك الفنانة بان الحلي بالموضوعات الإنسانية ويمكن ملاحظة هذه الهواجس والانشغالات في العديد من مشاريعها وأعمالها الفنية التركيبية والمفاهيمية Conceptual Art التي تُريد أن تُوصلها إلى المتلقي بسهولة ويسر من دون زجّه في ثيمات وأفكار قد تكون عصيّة على التأويل وربما يكون العمل الفني (حيوات متشظية) هو خير دليل على صحة ما نذهب إليه. يتألف هذا العمل من ثلاثة أقسام رئيسة حيث يضم القسم الأول نماذج لپورتريهات تعبيرية متعددة، بينما يشتمل القسم الثاني على أم تهْرب مع ابنتها من فضاء الحرب المروِّعة، فيما يتألف القسم الثالث من بقايا أنقاض تضمُّ بطانية، وكتابًا للأطفال ومجموعة من الألعاب المتناثرة التي تكشف عن حجم الأذى الذي يتعرّض له الأطفال في البلدان التي تشتعل فيها الحروب في كل مكان على وجه البسيطة.تلتقط الفنانة بان الحلي موضوعات مؤثرة تترك أثرها الواضح لدى المتلقين الذين يستقبلون أعمالًا بسيطة لكنها مهمة جدًا في أبعادها الإنسانية. ولو أخذنا العمل الفني الذي يحمل عنوان (هل جرّبته من قبل؟) الذي يتمحور حول (غلاء المعيشة) الذي يمكن أن تجده حتى في البلدان المُرفّهة وخاصة في الغرب الأوروپي حيث تُمنَح العوائل المتعففة قسائم طعام يحصلون بها على الأطعمة والمواد الغذائية مجانًا لأنهم ببساطة لا يستطيعون تأمينها أو شرائها من الأسواق بسبب ضيق ذات اليد. لقد لعبت الفنانة في هذا العمل التركيبي المفاهيمي وأوصلت الفكرة إلى المتلقين من دون إدخالهم في مُنعرجات التأويل واللغة البصرية المقعّرة حيث رسمت مائدة طعام مُثقلة بالمنتوجات الغذائية الرخيصة فيما لصقت على الحائط المُطل على المائدة عددًا من قسائم الطعام بعد أن طمست أسماء أصحابها بينما كانت الأكياس المتروكة إلى جوار المائدة تحمل (براندات شهيرة) لتكشف لنا عن عمق الفوارق الطبقية التي يمكن أن تجدها حتى في بعض البلدان المتقدمة التي تعيش فيها الشرائح المُرفهة إلى درجة التخمة بينما لا يجد آخرون ما يسدّ الرمق ويُسكِت غائلة الجوع التي تمزّق أحشاءهم.لمسة النزوع الفلسفي أنجزت الفنانة بان الحلي في سنتها الدراسية الأخيرة عددًا من الأعمال الفنية المهمة التي تنتمي إلى الفكر أكثر من انتمائها إلى جماليات التشكيل الفني ولعل لوحة Passersby التي تعني (المارة) أو (عابرون) التي أراها أكثر دِقّة تؤكد هذا النزوع الفكري أو الفلسفي، إن شئتم، حيث تصوّر الإنسان كجنين بشري يأتي من المجهول ويذهب إلى المجهول؛ وأكثر من ذلك فهو يبدو مُحاصرًا ومغلوبًا على أمره.وثمة عمل مفاهيمي آخر أطلقت عليه اسم (رِحلة) وهو عبارة عن أنبوب معدني مغلّف بمادة شديدة الانعكاس تُتيح للمتلقي أن يرى نفسه على مرايا هذا الأنبوب المعدني اللامع لكنه لا يرى تفاصيل وجهه لكثرة الانعكاسات المتواترة التي تشبِّهها الفنانة بالمسافر الجالس في عربة قطار لا يرى مَشاهد الطبيعة بشكل جيد وهي تمرق إلى الخلف وتتلاشى بسرعة خاطفة.بقي أن نقول بأنّ الفنانة بان الحلي حاصلة على بكالوريوس طب بيطري وجراحة من جامعة بغداد سنة 1993. كما نالت دبلوم فنون تشكيلية وتصميم من جامعة ستي لت بلندن سنة 2020. ثم حصلت على شهادة البكالوريوس في الفن التشكيلي من جامعة كنغستون بلندن سنة 2024. وتواصل الآن دراستها العليا في جامعة UCL في العاصمة البريطانية. أقامت الفنانة ثلاثة معارض شخصية إضافة إلى عدد من المعارض المشتركة في العراق والأردن وتركيا والمملكة المتحدة. منتدى المنار الثقافية# مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم