شيء مذهل عندما ترى الألاف من الهياكل الإنشائية للبروتينات المكونة للجسم البشري وكيف أن شكلها مطابق لوظيفتها تماماً ؟!ونتيجة لوجود ألاف الأنواع من البروتينات البنائية والوظيفية المختلفة الأشكال والوظائف كان يجب أن يتم حفظ مخططاتها الدقيقة في شيفرات وراثية مذهلة ؟!حين نتأمل البروتينات، لا نجد مجرد سلسلة من الأحماض الأمينية، بل نجد لغةً مكتوبة، وترتيبًا محسوبًا، وبناءً هندسيًا بالغ الدقة. فكل حمض أميني ليس مهمًا بذاته فقط، بل بموقعه أيضًا. إن تبديل حمض واحد، أو نقله من موضع إلى آخر، قد يغيّر طريقة انطواء البروتين، فتختفي الروابط التي تمنحه شكله، ويضيع الشكل الذي يمنحه وظيفته.وهنا يبدأ السؤال الفلسفي قبل أن يبدأ الجواب العلمي:كيف عرفت هذه السلسلة الطويلة أين تضع كل حمض أميني؟ ومن الذي حدد أن يكون هذا الحمض في الموضع السابع والعشرين، وذاك في الموضع مئة وثلاثة من السلسلة، حتى تتكون الروابط الهيدروجينية والجسور ثنائية الكبريت والتآثرات الكارهة للماء في أماكنها الدقيقة، فينشأ بروتين قادر على أداء وظيفة محددة؟إننا لا نتحدث عن بروتين واحد فحسب، بل عن مئات الآلاف من البروتينات المختلفة في جسم الإنسان، لكل واحد منها شكل فريد، ووظيفة مختلفة، وتسلسل خاص من الأحماض الأمينية. وكل هذا مكتوب مسبقًا داخل الشيفرة الوراثية، حيث تحدد التعليمات نوع البروتين، وعدد أحماضه الأمينية، وترتيبها، ومن ثم شكله ووظيفته. وخطأ واحد فقط في موضع حمض أميني في السلسلة او تغير نوعه قد يقلب مرضاَ كما في مرض الدم المنجلي بسبب تغير في نوع حمض أميني واحد كان في غير موضعه بالسلسلة. وعندما يلتف البروتين ويدخل في صنع هيموغلوبين الكريات الحمر فيكون شكلها شاذ وتجعل ضيق في شعيرات الأوعية الدموية في الرئة فلا تنقل أوكسجين بشكل صحيح وقد تعمل خثرات وإنسدادات في الأوعية الدموية.وهذا فقط يحصل بسبب خطأ بسيط في ترجمة السلسلة لصنع بروتين واحد من ألاف البروتينات البنائية والوظيفية.فإذا كان كتابٌ من مئات الصفحات لا يُنسب إلى الصدفة، وإذا كانت بضعة أسطر من الشيفرة البرمجية لا يظن أحد أنها كتبت نفسها، فكيف بمنظومة حيوية تتكون من آلاف التعليمات المشفرة، تُقرأ وتُترجم وتُطوى بدقة متناهية، فتنتج جزيئات هي أساس الحياة؟إن العلم يصف لنا كيف تُصنع البروتينات، وكيف يحدد تسلسل الأحماض الأمينية بنيتها ووظيفتها، لكنه لا يجيب عن السؤال الفلسفي الأعمق: لماذا توجد هذه الشيفرة أصلًا؟ ولماذا تحمل هذا القدر من التنظيم والدقة؟وهنا يتأمل المؤمن في هذا النظام البديع، فيرى أن النظام يدل على منظم، وأن الشيفرة تشير إلى واضع للشيفرة، وأن المعلومات ليست مجرد مادة، بل رسالة تحمل معنى. فكلما ازداد الإنسان علمًا بتفاصيل البروتينات، ازداد إدراكًا لعظمة هذا البناء المذهل الذي تقوم عليه الحياة.ولعل أعظم ما يدعو إلى التأمل أن البروتين لا يكتسب وظيفته إلا إذا اجتمع ثلاثة أمور معًا: المعلومة المكتوبة في الجين، والترتيب الدقيق للأحماض الأمينية، والانطواء الصحيح الذي يمنحه شكله النهائي. فإذا اختل أحدها، اختلت الوظيفة. إنها منظومة متكاملة تدعو العقل إلى التساؤل: أيمكن أن ينشأ هذا المستوى من المعلومات والتنظيم والدقة بلا قصد، أم أن وراء هذا الإحكام حكمةً وعلمًا وقدرةً؟م . #ماهر_بقجه_جي#مجلة ايليت فوتو ارت

