تاريخ سوريا المنهوب: كيف حوّلت ابتسام بدر نصرة “الصدمة والغصة” إلى مخزون توثيقي دائم؟الباحثة ابتسام بدر نصرة: السورية التي تسابق الزمن لتوثيق تراث أمتها المتناثرفي متاحف العالم الكبرى، من لندن إلى نيويورك وباريس، تجوب باحثة سورية إرادتها من حجر البازلت. هي الباحثة ابتسام بدر نصرة، امرأة جعلت من نفسها مهمة وطنية وحضارية: تعقب وتوثيق الآثار السورية التي تزين قاعات المتاحف الغربية أو تُخبأ في زواياها المنسية. عملها ليس مجرد تصوير، بل هو فعل مقاومة ضد النسيان والإهمال والسطو على الذاكرة.صرخة ابتسام نصرة في المتحف البريطاني: التوثيق كفعل مقاومةتقوم الأستاذة ابتسام، عبر صفحتها على فيسبوك “التراث السوري” (#صفحة_التراث_السوري) وبجهد شخصي، بتسليط الضوء على هذا الإرث المنهوب والمشتت، وفي زياراتها، لا تلتقط صورا فحسب، بل تُخاطب القيّمين على المتاحف، كما فعلت في المتحف البريطاني عندما طالبت بوضع اسم “سوريا” على خريطة قطع تدمر، لتذكير العالم بأن “بالميرا كانت ومازالت تقع في سوريا”.أصدرت كتابا توثيقيا بعنوان “آثار المشرق في متاحف الغرب – الجزء الأول، آثار سورية”، وهو مجلد التقطت صوره بنفسها وكتبت نصوصه بلغة علمية رصينة، ليصبح شاهدا بصريا على “الصدمة والغصة” من رؤية أدوات أجدادنا الزراعية وآلاف تحفهم في متحف اللوفر، بعيدا عن أرضها التي أعطتها الاسم والحياة.أوغاريت: الحجر الذي هز عرش التاريخ وعلومهلا يمكن فهم حجم المأساة دون معرفة عظمة ما فقد. وعند الحديث عن سوريا، فإن أوغاريت هي الجوهرة التي لا تُقدر بثمن. اكتُشفت “بالصدفة” عام 1928 قرب اللاذقية، عندما اصطدم محراث فلاح بمدفن حجري، لتبدأ رحلة التنقيب الفرنسية بقيادة كلود شيفر وينقل معظم كنوزها إلى باريس.لكن ما هي أوغاريت؟ كانت مملكة سورية (كنعانية) ازدهرت في الألف الثاني قبل الميلاد، وعاصمة تجارية وثقافية كبرى في شرق المتوسط، وهي أكثر من مجرد مدينة، كانت بوتقة انصهرت فيها أعراق ولغات متعددة، ودوّنت على ألواحها الطينية بلغات منها الأكادية والحثية والحورية. وخططت مدينتها بدقة، وامتلكت أسطولا تجاريا قويا.ـ أعظم إنجاز: اخترعت أقدم أبجدية صوتية في التاريخ، مكونة من 30 حرفا مسماريا، ولم تكن مصادفة، بل كانت ثمرة بيئة ثقافية وتجارية متطورة استوعبت علوم الأمم المجاورة وأضافت إليها. وهذا الاختراع غير مجرى التواصل الإنساني، والترتيب الأبجدي الذي وضعه كاتب أوغاريتي قبل 34 قرنا ما زال أساس تعليم الأطفال في عدد كبير من بلدان العالم اليوم.ـ تراث حي: ما تزال اللغة الأوغاريتية تعيش في اللهجة العامية لأهل اللاذقية اليوم، في كلمات مثل “عيّن” (انظر) و”شلف” (رمى) و”بعدين” (ثم)، وفي النحو كإسقاط حرف النون (بت عوضا عن بنت).ـ الديانة: عبد الأوغاريتيون آلهة كنعانية، على رأسها الإله إيل (ومؤنثه إيلات/عشيرة)، وهو اللفظ الذي تطور عبر الزمن ليصبح “الله”. وكانت لديهم أساطير وملاحم كبرى، مثل قصة كيرتا، تشكل جذورا للتراث الديني اللاحق في المنطقة.التراث السوري في الغرب: بين التكريم والتهميشرحلة الباحثة نصرة تكشف ثنائية غريبة في تعامل المتاحف الغربية مع الآثار السورية:1. التكريم والاستعراض: توجد مجموعات ضخمة من الآثار السورية في صالات العرض الرئيسية لأعرق المتاحف. ففي متحف اللوفر في باريس، تحتل الآثار الأوغاريتية ثلاث قاعات كبيرة، وتحتفظ إدارته بأدوات من حفريات أوغاريت الأولى. كما تنتشر مكتشفات “معبد العيون” في تل براك في متاحف عالمية مثل المتروبوليتان في نيويورك والمتحف البريطاني في لندن ومتحف اللوفر.2. التهميش والإقصاء: في الوقت ذاته، توجد قطع ثمينة مهملة في زوايا غير متوقعة. تصف الأستاذة نصرة العثور على تمثال لسيدة من تدمر في متحف فريير بواشنطن، معروض “وحيدة في ممر” يصل بين قاعة العرض ودرج الخروج، في مكان “لا يلفت النظر”. وتذكر كيف بحثت عن قطعة فسيفساء سورية مهمة في متحف المتروبوليتان، فوجدتها في الجناح البيزنطي دون ذكر واضح لمكان اكتشافها الأصلي، مما يثير تساؤلات حول أصلها.إن رحلة الباحثة ابتسام تعني الغوص في الطبقات العميقة، وربط الأثر بالسياق، والحدث بالتاريخ الطويل. ومن هذا المنظور، عمل الأستاذة هو أكثر من توثيق؛ إنه فعل سياسي بالمعنى الأشمل للكلمة.ـ الصراع على الهوية: في زمن تحاول فيه قوى عديدة طمس الهوية السورية وتمزيق نسيجها المجتمعي، يأتي تتبع هذا التراث ليؤكد حقيقة ثابتة: سوريا هي مهد الحضارات، وليست أمة حديثة، بل هي وعاء تراكمت فيه إنجازات الإنسان على مدى آلاف السنين، من أوغاريت إلى ماري وإبلا وتدمر. وهذا التراث هو السلاح الثقافي الأقوى ضد محاولات التفتيت.ـ سؤال المسؤولية: تطرح الأستاذة. نصرة سؤالا موجعا: “وين الخبرات السورية؟ … لماذا تحتاج سوريا إلى الألماني لوضع قاعدة بيانات… والفرنسي لينقب… والإيطالي ليرمم؟”. والسؤال يتجاوز الإدارة الثقافية ليصيب جوهر مفهوم السيادة، السيادة ليست حدودا على الخريطة فقط، بل هي القدرة على فهم ماضيك وحاضرك، وحماية تراثك وإدارته بأنفس أبنائك. والاعتماد الدائم على “الخبرة الأجنبية” في شأن حميمي كالتراث هو تنازل عن جزء من هذه السيادة.ـ الذاكرة مقابل السرقة: عملها يسلط الضوء على قضية الاستعمار الثقافي الذي لم ينته. نقل الآثار في القرن الماضي تحت مسميات مختلفة، والإهمال الحالي للقطع في المتاحف الوطنية (كما تذكر بحادثة سرقة المتحف الوطني بدمشق وكاميرات المراقبة المعطلة)، وجهان لعملة واحدة: استمرار اغتراب الشعب عن تاريخه. عندما تُسرق قطعة أثرية من متحف دمشق أو تغيب في متحف غربي، فإن الخسارة ليست مادية فحسب، بل هي اقتطاع لجزء من الذاكرة الجماعية.ختاما، في معركة سوريا المصيرية اليوم، هناك جبهات عديدة. إحداها، ربما الأكثر عمقا، هي جبهة الذاكرة والهوية. والأستاذة ابتسام بدر نصرة تقف على هذه الجبهة بشجاعة. هي لا تدافع عن حجارة فقط، بل عن رواية التاريخ، عن حق سوريا في أن تُذكر ليس كساحة صراع، بل كمنبع لإبداع الإنسانية. وعملها الصامت المتواصل هو تذكير بأن البقاء ليس للأقوى جسدياً فقط، بل للأكثر تمسكا بجذوره. وفي سردية التاريخ الطويل، تثبت سوريا، عبر أمثالها، أنها تبقى.# صفحة التراث السوري# مجلة ايليت فوتو ارت.


