مقدمة كتاب :الأيقونة، وأقلام الخط، واللوحة :الصورة بين الدين والسياسة لا يجد دارسٌ، عربي أو أجنبي، أيَّ حرجٍ في ربطِ فنِّ اللوحة الزيتية في بغداد في القرن العشرين بما كانت عليه صور الواسطي في القرن الثالث عشر. كما لا يجد غيره أي حرج في ربطِ الخط العربي، منذ المصحف الذي أمر بوضعه ثالثُ الخلفاء الراشدين، عثمان بن عفان، بما قامت عليه مدرسة “الحروفية العربية” منذ النصف الثاني من القرن العشرين. تبدو عمليات الربط هذه، في نظر دارسين عرب وأجانب، قائمةً، أكيدة، بعد مرور قرون وقرون، وبين فنَّين متباعدَين في التاريخ والثقافة. ألا يمكن أن نقيم الربط عينه، وأن نجد تاريخاً متصلاً، واحداً، للتصوير ، بين ما كانت عليه تجليات وتعبيرات التصوير المسيحي منذ القرون الأولى في فلسطين والشام والعراق وبلد الأقباط وغيرها، وما استمرت عليه في تالي القرون ؟ إلا أن هذا السؤال يمكن تعديله وصياغته من جديد : هل استمرتْ هذه التجليات والتعبيرات بعد قيام “دولة الإسلام”، في التصوير الإسلامي، وإثر غلبتِه في هذه المناطق التي كانت مسيحية في جانب واسع منها ؟ هذا السؤال، وغيره، يتوقف هذا الكتاب لمعالجته، من دون أن تكون مدونته (بين فنٍّ وخطابٍ) متوافرة بالضرورة، ولا المعالجة البحثية ميسرة بالضرورة. هذا يعود إلى قلة الدراسات، من جهة، وإلى عدم توافر منهجية مناسبة لدرس علاقات الدين بالسياسة من خلال تمثلات الفن وإنتاجاته، من جهة ثانية. هذا ما أغراني في الإقدام على تناول قضية هذا الكتاب، جامعاً مواده، ودارساً معضلاته، طوال سنوات وسنوات، في غير لغة وثقافة. وما كان يُغري، في هذا البحث، هو تناولُ تاريخ غير مكتوب في إجمالي خطته، فيما توافرت عنه أحياناً مشروعات جزئية، أو قطاعية، أو محلية، لا جامعة له بالتالي. ومِمّا دفعني أيضاً إلى البحث – ولو في أحوال معدودة – هو الكشف عن أحوال وإنتاجات تصويرية لم تكن معروفة أو “مكتشَفة” واقعاً قبل القرن العشرين : العديد من تصاوير الأيقونات (على سبيل المثال) خرج إلى النور، وأقيمت له معارض متأخرة، ما أخرجًه بالتالي من نطاق الأديرة والكنائس، وجعله بمتناول الناظر والدارس بعد طول احتباسٍ وانكفاء. وهو ما أظهرتْه كذلك “الكشوفات” الآثارية عن القصور الأموية في بادية الشام في العقود المتأخرة، التي تبدتْ فيها (هي، مثل النقود الإسلامية الأولى) تعبيرات صُوَرية لم تكن معروفة، بل أتت منافية، بوجودها ورسوماتها وموضوعاتها، لِما كانت عليه نظرية “تحريم الصورة” الإسلامي (في الخطاب الساري) منذ “فتح” مكة.هذا ما يثير البحثَ ابتداء من هذا السؤال الإشكالي : هل يمكن استبيان خيوط الدين من خيوط السياسة في قيام المسيحية، وفي اعتناق الأمبراطوية الرومانية لها ؟ هل يمكن استبيان الخيوط عينها عند قيام دولة الإسلام، وفي تدافعات عمليات “الفتح” الني بلغتْ أسوار الحاضرة الأمبراطورية المسيحية، القسطنطينية ؟ ماذا جرى بين الأمة الغالبة وعالَم المغلوبِين، خصوصاً من المسيحيين (الذين باتوا “أقليات”)، في مجال التعبير الفني، ولاسيما في النطاق الديني ؟ ماذا عن تكسير الأصنام، ومحو الصور، في مكة : أهو ما صاغ نظرية الفن الأولى في دولة الإسلام ؟ وما كانت هذه الصياغة النظرية ؟ ماذا عن “حرب الأيقونات” (الموازية للحقبة الأموية) لدى المسيحيين : أكانت للتخفيف من عمليات “الفتح” أم لتشديد الصراع معها ؟ الأسئلة كثيرة، وهي لا تكتمل من دون سؤال إشكالي ختامي : أكان للتصوير المسيحي (“الرومي” وغيره) تأثيرات في الانتقال من فن الخط والزخرفة، من جهة، ومن فن الأيقونة، من جهة ثانية، صوب فن اللوحة الزيتية، ولصالح حاجات واقعة في تداول المجتمعات العربية المتأخرة ؟ هذه الأسئلة (وغيرها) صعبة، وقد لا تتوافر معطياتٌ للإجابة عنها في أصناف الخطاب المختلفة، ما دامت تنحو، في أبنية الأجهزة الدينية، وفي خطاباتها، صوب تفسيرات وأحكام هي أقرب إلى “إدارةِ المقدَّس” منها إلى استبيان ما كانت عليه الصورة في المعتقَد، وفي الإنتاج، وفي التفكير فيها، لاسيما في عهود سياسية، سواء مسيحية أو إسلامية، هي التي تحكمتْ أكثر من غيرها بتحديد “سياسات الصورة”، لاسيما الفنية منها. فكيف إذا شهدتْ هذه السياسات حرباً في المعتقد الواحد، فتقلبتْ بين صِيغٍ إنتاجية مختلفة، وبين تسويغات متباينة لها ! بل سيكون هذا السؤال أدهى إذا كانت الصورة الاعتقادية في الفن بلغت الحرب “المفتوحة” بين “الجارَين المتخاصمَين” (البيزنطي والإسلامي) ! هذا ما يَطلب الكتاب التوقف عنده في القسم الأول منه، في أربعة فصول، دارساً أحوال الغلبة (الإسلامية) الحادثة في مناطق مترامية، والتي قلبتْ أحوال السكان والإنتاجات والاعتقادات، من دون أن تَسْلَم سياسات الغلبة هذه من انشقاقات وصراعات داخلية واسعة حتى نهايات الطور الأول من الحقبة الأموية. وهي عهود وتقلبات شهدتْ فيها الصورة نفسها (في النقود، في الأبنية الدينية، فوق جدران القصور أو الدُّور، في تدبيجات الخطاب الديني أو الفلسفي) نزاعات وتعبيرات متبدلة، ما دامت خيوط الدين والسياسة تشابكت في مجال العقيدة كما الفن ! هذا ما سيجعل الكتاب يتوقف عند تجليات مختلفة للصورة : بين قطعة النقد، والأيقونة، والصور، والرسوم (ومنها الفسيفسائية)، والزخارف فوق جدران في كنائس وأديرة ومساجد وقصور ودُور وغيرها، فاحصاً، في أبنيتها الخصوصية، تشكلاتها، وتعبيراتها، وتبايناتها، واختلافاتها، وتفاعلاتها.غير أن أسئلة الكتاب، ومساعيه البحثية في الإجابة، لن تتوقف عند هذه البداية التدشينية، إذ سيتحقق من أن كيان الصورة بات إشكالياً، ويتعين في “مسألة”، سواء في الصورة المسيحية أو الإسلامية؛ أي سيتحقق مِمَّا سيُصبح موضعَ خلافٍ ونزاع بالتالي. بل سيستمر طرحُ الأسئلة، بل إثارتُها، في حقبة تاريخية تالية، هي الحقبة العثمانية، والتي ستتعين في قسم ثانِ في الكتاب، وفي أربعة فصول. وسيكون السؤال المناسب في هذا القسم : هل سينتهي الصراع السابق حول الصورة مع “فتح” القسطنطينية في بدايات الحقبة العثمانية، أم سيتغير مع تحول هذه السلطنة إلى أمبراطورية “قابلة” للصورة بدليل استقدام مصورين إيطاليين للعمل في ديوان السلطان ؟ إلا أن ما أتى به هؤلاء، في عدتهم الفنية، لم يكن موصولاً بالأيقونة، بل بإنتاج فني جديد : اللوحة الزيتية، وبأنواع لها تتمثل في أبنيتها صورةُ الحاكم في المقام الأول. وماذا عن إنتاج الأيقونة نفسها في الأديرة والكنائس المسيحية : هل بقيت على حالها أم تغيرت بدورها بحكم التغير العام (الذي اتسم بانفتاحٍ وتفاعلٍ مع الجار الأوروبي، في الصورة الفنية على الأقل) ؟ ما الأحوال التي تولدت بين الأيقونة واللوحة بالتالي، سواء في مواد العمل أو “الموضوع” أو البناء وغيرها ؟ أهي هذه الأحوال التي انتهت إلى ظهور : الفن الحديث في الولايات العربية (العثمانية) ؟الأسئلة متشعبة، عويصة في بعضها، تتفقدُ مسارات التاريخ، وتدرسُ تجليات التصوير في المسار الديني، والسياسي، والاجتماعي، أي ما يتجلى في تعبيرات فنية يتوقف الكتاب لدرسها في أبنيتها المخصوصة. هذا ما سعى إليه الكتاب، إلى إثارته وتناوله، خصوصاً وأنه بعيدٌ، في أحوال كثيرة، عن أحوال درس الفن الراهنة : هذا ما جعلَه الكتاب قضية بحثية، مستجلياً جوانب الصراع، بل الحرب، في ما بات يُسمَّى “مسألة الصورة”، لا سيما الإسلامية : هل عادى التدينُ الإسلامي الصورةَ، أم حرّمَها، أم تجنبَها وغيرها من الاحتمالات ؟ وماذا عن “توطن” اللوحة الزيتية : أهو قبولٌ بها واعتمادٌ لها أم أتى مثل فرضٍ استعماري أو سلطاني لها ؟هذه الأسئلة (وغيرها) سعى الكتاب إلى عرضها ومناقشتها، مستبيناً وجوهها، مرجحاً في جوانب من احتمالاتها؛ وهي إجابات مطروحة، مصاغة، في عهدة الدارسِين بالتالي.ختاماً، هذا الكتاب لم يبلغ حالته الختامية هذه، من دون التدقيقات والتصويبات التي أبداها الزملاء الدكاترة : عماد الدين أبو غازي، وجودت جبرة، ونجيب جرجس، وبطرس المعري، إثر مراجعة الكتاب. وهو ما يصحُّ كذلك في المساعدة الفنية التي تكفلَ بها غير مسؤول في مؤسسات دينية أو متحفية، ممن وفروا للكتاب صوراً نادرة ومناسبة، ومنهم : الأرشمندريت جورج يعقوب، والأب نقولا رياشي، ود. جودة جبرة، و”مؤسسة الاتاسي للفنون والثقافة”، وهالة جميل شفيق، وغابي رعيدي وغيرهم. لهم الشكر والامتنان، على أنني أتحمل مسؤولية الوارد في الكتاب. وهو شكرٌ وامتنانٌ لا يكتملان من دون استذكار زملاء ومكتبيين وقيمين في متاحف ومكتبات ساعدوني في تدبر مخطوطات، أو كتب نادرة، أو في توفير مواد مناسبة للكتاب.وطى حوب، 26-7-2025#شربل داغر#مجلة ايليت فوتو ارت


